5 -نماذج من القتال الذي مارسه الشيخ:
ولما كنا قد بينا في الفقرات السابقة جميع الجوانب تقريبًا إلا الجانب الخاص بمباشرته -رحمه الله- للقتال في سبيل الله بنفسه قائدًا أحيانًا، وجنديًا أحيانًا .. فإننا نعقد هذا الفصل لإلقاء الضوء على هذا الجانب من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
أ- قتاله لأهل الجبل (الكسروانيين) من أبناء الفرق الباطنية:
قال الإمام ابن كثير في أحداث سنة 699هـ:
"وفي يوم الجمعة العشرين منه (أي من شهر شوال) ركب نائب السلطنة جمال الدين آقوش الأفرم في جيش دمشق إلى جبال الجرد وكسروان، وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية ومعه خلق كثير من المتطوعة والحوارنة لقتال أهل تلك الناحية، بسبب فساد نيتهم وعقائدهم وكفرهم وضلالهم، وما كانوا عاملوا به العساكر لما كسرهم التتر وهربوا حين اجتازوا ببلادهم، وثبوا عليهم ونهبوهم وأخذوا أسلحتهم وخيولهم، وقتلوا كثير منهم، فلما وصلوا إلى بلادهم جاء رؤساؤهم إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية فاستتابهم وبين للكثير منهم الصواب وحصل بذلك خير كثير، وانتصار كبير على أولئك المفسدين، والتزموا برد ما كانوا أخذوه من أموال الجيش، وقرر عليهم أموالًا كثيرة يحملونها إلى بيت المال، وأقطعت أراضيهم وضياعهم، ولم يكونوا قبل ذلك يدخلون في طاعة الجند ولا يلتزمون أحكام الملة، ولا يدينون دين الحق، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله".
وهنا نجد شيخ الإسلام رحمه الله أمير مجموعة تقوم بقتال بعض الخارجين عن أحكام الإسلام ممن كانوا يدعونه وهم أعدى أعداء الأمة فهم الذين انضموا إلى التتار عندما جاءوا وكانوا أعظم عون لهم على غزو العالم الإسلامي، وهم كذلك الذين كانوا مع الصليبيين ضد المسلمين.
وكان هذا العمل الذي حث عليه الشيخ ابن تيمية رحمه الله سلطان مصر والشام محمد بن قلاوون (الناصر) ، وأمره أن يسمح له بتجريد جيش لهؤلاء الخارجين وأفتاه بوجوب قتالهم، وخرج الجيش مع نائب السلطنة في الشام وهو جمال الدين آقوش الأفرم كما مر، ولكن كان الشيخ في هذه الحملة قائد جماعة، وهو مفتي القوم .. ولقد ظل شيخ الإسلام يذكر ذلك في كتبه ورسائله، ويحدث تلامذته به ويعتبر هذا اليوم من أيام جهاده التي منّ الله بها عليه، ولقد كتب بخصوص ذلك رسالة إلى السلطان محمد بن قلاوون نقتطف فقرات منها يقول فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من الداعي أحمد بن تيمية إلى سلطان المسلمين، ومن أيد الله في دولته الدين، وأعز بها عباده المؤمنين، وقمع فيها الكفار والمنافقين والخوارج المارقين، نصره الله ونصر به الإسلام، وأصلح له وبه