وبعد أن يبين الشيخ رحمه الله العقائد الباطلة لهذه الفرق والتي بموجبها وجب قتالهم وحربهم، ثم يذكر الشيخ ما قام به هذا الجيش في حربه لهؤلاء المارقين المخالفين لأحكام الدين. ويقول"الحمد لله الذي يسر هذا الفتح في دولة السلطان بهمته وعزمه وأمره، وإخلاء الجبل منهم، وإخراجهم من ديارهم".
ثم يوصي بعد ذلك السلطان بما يجب عليه أن يفعله حسما لمادة هذا الشر فيقول:
"تمام هذا الفتح وبركته تقدم مراسم السلطان بحسم مادة أهل الفساد، وإقامة الشريعة في البلاد. فإن هؤلاء القوم لهم من المشايخ والإخوان في قرى كثيرة من يقتدون بهم، وينتصرون لهم. وفي قلوبهم غلّ عظيم. وإبطان معاداة شديدة، لا يؤمنون معها على ما يمكنهم. ولو أنه مباطنة العدو. فإذا أمسك رؤوس الذين يضلونهم زال بذلك من الشر ما لا يعلمه إلا الله."
ويتقدم إلى قراهم. وهي قرى متعددة بأعمال دمشق، وصفد، وطرابلس، وحماة وحمص، وحلب بأن يقام فيهم شرائع الإسلام، والجمعة والجماعة، وقراءة القرآن. ويكون لهم خطباء ومؤذنون، كسائر قرى المسلمين، وتقرأ فيهم الأحاديث النبوية. وتنشر فيهم المعالم الإسلامية. ويعاقب من عرف منهم بالبدعة والنفاق بما توجبه شريعة الإسلام.
فإن هؤلاء المحاربين وأمثالهم قالوا: نحن قوم جبال. وهؤلاء وإنا إليه راجعون وقتل جماعة من الأمراء وغيرهم ومن العوام خلق كثير وفقد في المعركة قاضي قضاة الحنفية، وقد صبروا وأبلوا بلاء حسنا، ولكن كان أمر الله قدرا مقدورًا، فولى المسلمون لا يلوي أحد على أحد، ثم كانت العاقبة بعد ذلك للمتقين، غير أنه رجعت العساكر على أعقابها للديار المصرية واجتاز كثير منهم على دمشق، وأهل دمشق في خوف شديد على أنفسهم وأهليهم وأموالهم، ثم إنهم استكانوا واستسلموا للقضاء والقدر، وماذا يجدي الحذر إذا نزل القدر، ورجع السلطان في طائفة من الجيش على ناحية بعلبك والبقاع، وأبواب دمشق مغلقة والقلعة محصنة والغلاء شديد والحال ضيق وفرج الله قريب، وقد هرب جماعة من أعيان البلد وغيرهم إلى مصر، كالقاضي إمام الدين الشافعي، وقاضي المالكية الزواوي، وتاج الدين الشيرازي، وعلم الدين الصوابي والي البر، جمال الدين بن النحاس والي المدينة، والمحتسب وغيرهم من التجار والعوام، وبقي البلد شاغرًا ليس فيهم حاكم سوى نائب القلعة.
وفي ليلة الأحد ثاني ربيع الأول كسر المحبوسون بحبس باب الصغير الحبس وخرجوا منه على حمية، وتفرقوا في البلد، وكانوا قريبًا من مائتي رجل، فنهبوا ما قدروا عليه، وجاءوا إلى باب الجابية فكسروا أقفال الباب البراني وخرجوا منه إلى بر البلد، فتفرقوا حيث شاءوا لا يقدر أحد على ردهم، وعاثت الحرافشة (والمعنى اللصوص والعاطلون) في ظاهر البلد فكسروا أبواب البساتين وقلعوا من الأبواب والشبابيك شيئًا كثيرًا، وباعوا ذلك بأرخص الأثمان، هذا وسلطان التتار قد قصد دمشق بعد الوقعة، فاجتمع أعيان البلد والشيخ تقي الدين بن تيمية في مشهد على واتفقوا على المسير إلى قازان لتلقيه،