الصفحة 35 من 48

ومال إليهم كانت عاقبته معهم حسنة بحسب ما فعله من الخير؛ فإن الله يقول: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره} "."

وفي الختام يقول شيخ الإسلام هذه الكلمات الجامعة لكل ما في هذه الوثيقة السياسية الفذة:

"والذي أختم به الكتاب الوصية بالشيخ أبي العباس، وبغيره من الأسرى، والمساعدة لهم، والرفق بما عندهم من أهل القرآن، والامتناع من تغيير دين واحد منهم، وسوف يرى الملك عاقبة ذلك كله. ونحن نجزي الملك على ذلك بأضعاف ما في نفسه. والله يعلم أني قاصد للملك الخير؛ لأن الله تعالى أمرنا بذلك، وشرع لنا أن نريد الخير لكل أحد، ونعطف على خلق الله، وندعوهم إلى الله، وإلى دينه، وندفع عنهم شياطين الإنس والجن."

والله المسئول أن يعين الملك على مصلحته التي هي عند الله المصلحة، وأن يخير له من الأقوال ما هو خير له عند الله، ويختم له بخاتمة خير. والحمد لله رب العالمين. وصلواته على أنبيائه المرسلين. ولا سيما محمد خاتم النبيين والمرسلين، والسلام عليهم أجمعين" (انتهي من الفتاوي ج28 ص601 - 630) ."

2 -الفوائد المستفادة من هذه الوثيقة السياسية المدهشة:

ومن هذه المقتطفات من الرسالة نعلم مدى الحس السياسي الرهيف لشيخ الإسلام ابن تيمية، ففي هذه الرسالة حذر سرجون من التحالف مع التتار ضد المسلمين وبين له أن التتار لا يرهبوننا وأننا منتصرون عليهم في النهاية وخوفه كذلك من التتار وأنهم لا عهد لهم ولا ذمة ولا دين، ويمكن أن يغدروا بالنصارى، وكذلك بين شيخ الإسلام ماله من يد وكرامة على سرجون وأهل ملته فقد فك أسراهم مع أسرى المسلمين عندما فاوض غازان ملك التتر في ذلك. واستعمل الشيخ أسلوب الترغيب والترهيب بذكاء بالغ مع سرجون ولم يجعل له خيارًا إلا الرضوخ للأمر، وهذا قمة الذكاء والسياسة. هذا مع أدب العبارة والمدح في مكان المدح وبيان صفاء النية والسريرة مع رغبة الخير لهذا النصراني الكافر، الذي يعذب أسرى المسلمون في بلاده؛ والدعاء له بالخير، وجعل ما يحصل لأسرى المسلمين في بلاده من تعذيب وإهانة أنها من قبل شعبه الجاهل وليس من قبله هو، كل ذلك بأسلوب بديع وسياسة حكيمة تخبرك أي رجل سياسي يمارس السياسة الإسلامية النظيفة الطاهرة كان شيخ الإسلام، وكل ذلك مع دعوته إلى الإسلام وإرشاده إلى الخير .. وهل يمكن لإنسان أن يكون لديه هذا الفقه السياسي، وهذا الأسلوب الحكيم في مخاطبة الملوك ورؤساء الدول إلا من كان على علم تام بسياسات الدول وأخلاق الملوك والشعوب، عقائد الناس، وأساليب الحكمة، ثم من كان يملك ما يعد ويوعد به وإلا كان كلامه هراءًا وسفاهة .. وهذا بيت القصيد فلولا أن الشيخ كان يملك القدرة والنفوذ و (الشعبية) والزعامة التي يستطيع بها أن يؤثر في الأحداث وينفذ ما يريد لكان كلامه هذا ضربًا من التطاول والتعاظم والادعاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت