الصفحة 34 من 48

أضعافًا مضاعفة من النصارى وغيرهم، فكيف إذا كانوا أضعافهم؟! وقد بلغه الملاحم المشهورة في قديم الدهر وحديثه: مثل أربعين ألفًا يغلبون من النصارى أكثر من أربعمائة ألف، أكثرهم فارس. وما زال المرابطون بالثغور مع قلتهم واشتغال ملوك الإسلام عنهم يدخلون بلاد النصارى، فكيف وقد من الله تعالى على المسلمين باجتماع كلمتهم، وكثرة جيوشهم، وبأس مقدميهم، وعلو هممهم، ورغبتهم فيما يقرب إلى الله تعالى، واعتقادهم أن الجهاد أفضل الأعمال المطوعة، وتصديقهم بما وعدهم نبيهم حيث قال: [يعطى الشهيد ست خصال: يغفر له بأول قطرة من دمه. ويرى مقعده من الجنة. ويكسى حلة الإيمان، ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين. ويوقى فتنة القبر. ويؤمن من الفزع الأكبر يوم القيامة] .

ثم إن في بلادهم من النصارى أضعاف ما عندكم من المسلمين؛ فإن فيهم من رؤوس النصارى من ليس في البحر مثلهم إلا قليل. وأما أسراء المسلمين فليس فيهم من يحتاج إليه المسلمون، ولا من ينتفعون به، وإنما نسعى في تخليصهم لأجل الله تعالى رحمة لهم، وتقربًا إليه يوم يجزي الله المصدقين، ولا يضيع أجر المحسنين"."

ط- تعريف بحامل الرسالة ووجوب الإحسان إليه:

ثم يذكر الشيخ رحمه الله تعريفا بحامل كتابه إلى ملك قبرص وهو أبو العباس، وأنه كان دائما ما يمدح الملك عند المسلمين.

"وأبو العباس حامل هذا الكتاب قد بث محاسن الملك وإخوته عندنا واستعطف قلوبنا إليه؛ فلذلك كاتبت الملك لما بلغتني رغبته في الخير، وميله إلى العلم والدين، وأنا من نواب المسيح وسائر الأنبياء في مناصحة الملك وأصحابه، وطلب الخير لهم؛ فإن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس، يريدون للخلق خير الدنيا والآخرة، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويدعونهم إلى الله، ويعينونهم على مصالح دينهم ودنياهم. وإن كان الملك قد بلغه بعض الأخبار التي فيها طعن على بعضهم، أو طعن على دينهم؛ فإما أن يكون المخبر كاذبا. وإما ما فهم التأويل، وكيف صورة الحال. وإن كان صادقا عن بعضهم بنوع من المعاصي والفواحش والظلم: فهذا لا بد منه في كل أمة؛ بل الذي يوجد في المسلمين من الشر أقل مما في غيرهم بكثير، والذي فيهم من الخير لا يوجد مثله في غيرهم".

ى- السهم الأخير للشيخ في نحر سرجون:

وفي نهاية الرسالة يلقي شيخ الإسلام بآخر سهامه في نحر ملك قبرص فيكتب له قائلًا:

"وأما ما عندنا في أمر النصارى، وما يفعل الله بهم من ادالة المسلمين عليهم، وتسليطه عليهم: فهذا مما لا أخبر به الملك؛ لئلا يضيق صدره؛ ولكن الذي أنصحه به أن كل أسلف إلى المسلمين خيرًا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت