الصفحة 26 من 48

وانصرفت الفئة الناصرة، وتخاذلت القلوب المتناصرة، وثبتت الفئة الناصرة، وأيقنت بالنصر القلوب الطاهرة، واستنجزت من الله وعده العصابة المنصورة الظاهرة، ففتح الله أبواب سمواته لجنوده القاهرة، وأظهر على الحق آياته الباهرة، وأقام عمود الكتاب بعد ميله، وثبت لواء الدين قوته وحوله، وأرغم معاطس (أي أنوف، والأنف هو الذي يعطس الإنسان به) ، أهل الكفر والنفاق، وجعل ذلك آية للمؤمنين إلى يوم التلاق.

فالله يتم هذه النعمة بجمع قلوب أهل الإيمان على جهاد أهل الطغيان، ويجعل هذه المنة الجسيمة مبدأ لكل منحة كريمة، وأساسا لإقامة الدعوة النبوية القويمة، ويشفي صدور المؤمنين من أعاديهم، ويمكنهم من دانيهم وقاصيهم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. أ. هـ (الفتاوي ج28 ص410 - 466) .

وبعد أن أتم الشيخ رسالته قال:

"كتبت أول هذا الكتاب بعد رحيل قازان وجنوده، لما رجعت من مصر في جمادي الآخرة (وكان الشيخ قد ذهب إليها لاستنهاض همم المصريين من أجل مساعدة أهل الشام في غزو التتار) ، وأشاعوا أنه لم يبق منهم أحد. ثم لما بقيت تلك الطائفة اشتغلنا بالاهتمام بجهادهم، وقصد الذهاب إلى إخواننا بحماة، وتحريض الأمراء على ذلك، حتى جاءنا الخبر بانصراف المتبقين منهم. فكتبته في رجب والله أعلم. والحمد لله وحده. وصلى الله على أشرف الخلق محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين" (الفتاوي ج28 ص410 - 466) .

الفوائد المستفادة من هذه الرسالة العظيمة:

وأرجو أن نستفيد من هذه الرسالة العظيمة الفوائد التالية:

1 -أن شيخ الإسلام كان مجددًا للدين حقًا فقد مارس رحمه الله عامة فرائض الإسلام وأحكامه، وأنزل آيات الكتاب والسنة النبوية على الواقع القائم وكأنها آيات لم تتنزل إلا عليهم، وهذا يدلك على عظمة القرآن الخالد، وعلى أن التاريخ يعيد نفسه {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا .. } الآية.

وهذا شيخ الإسلام يقول لمعاصريه"ما أشبه الليلة بالبارحة: المؤمنون الصابرون هم المؤمنون، والمنافقون هم المنافقون؛ فكلامهم كلامهم وشبهات أسلافهم هي شبهاتهم: .. اختلفت الوجوه والأسماء فقط ولكن المواقف هي المواقف". وهذا هو تجديد الدين بمعناه الصحيح جعل القرآن جديدًا والسنة جديدة فكأن القرآن والسنة تنزلت عليهم .. فأصبحت الآيات تحكي واقعًا قائمًا .. لا ماضيًا غائبًا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت