والزهري، وموسى بن عقبة، وسعيد بن يحيى الأموي، ومحمد بن عائذ، ومحمد بن إسحق، والواقدي، وغيرهم.
ثم تبقى بالشام منهم بقايا، سار إليهم من عسكر دمشق أكثرهم، مضافًا إليهم عسكر حماة وحلب، وما هنالك، وثبت المسلمون بإزائهم. وكانوا أكثر من المسلمين بكثير؛ لكن في ضعف شديد وتقربوا إلى حماة، وأذلهم الله تعالى، فلم يقدموا على المسلمين قط. وصار من المسلمين من يريد الإقدام عليهم، فلم يوافقه غيره، فجرت مناوشات صغار، كما جرى في غزوة الخندق، حيث قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيها عمرو بن عبد ود العامري لما اقتحم الخندق، هو ونفر قليل من المشركين.
كذلك صار يتقرب بعض العدو فيكسرهم المسلمون، مع كون العدو المتقرب أضعاف من قد سرى إليه من المسلمين. وما من مرة إلا وقد كان المسلمون مستظهرين عليهم. وساق المسلمون خلفهم في آخر النوبات، فلم يدركوهم إلا عند عبور الفرات. وبعضهم في جزيرة فيها. فرأوا أوائل المسلمين فهربوا منهم، وخالطوهم؛ وأصاب المسلمون بعضهم. وقيل: إنه غرق بعضهم.
وكان عبورهم وخلو الشام منهم في أوائل رجب، بعد أن جرى -ما بين عبور قازان أولا وهذا العبور- رجفا ووقعات صغار، وعزمنا على الذهاب إلى حماة غير مرة؛ لأجل الغزاة؛ لما بلغنا أن المسلمين يريدون غزو الذين بقوا. -أي من التتار- وثبت بإزائهم المقدم الذي بحماة، ومن معهم من العسكر، ومن أتاه من دمشق، وعزموا على لقائهم، ونالوا أجرًا عظيمًا. وقد قيل: إنهم كانوا عدة كمانات؛ إما ثلاثة، أو أربعة. فكان من المقدر: أنه إذا عزم الأمر وصدق المؤمنون الله يلقي في قلوب عدوهم الرعب فيهربون، لكن أصابوا من البليدات بالشمال مثل (تيزين) و (الفوعة) و (معرة مصرين) وغيرها ما لم يكونوا وطئوه في العام الماضي.
وقيل: إن كثيرًا من تلك البلاد كان فيهم ميل إليهم؛ بسبب الرفض، وأن عند بعضهم فرامين (جمع فرمان والمقصود بأمان وحلف ونحو ذلك) منهم، لكن هؤلاء ظلمة، ومن أعان ظالمًا بلي به. والله تعالى يقول: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون} .
وقد ظاهروهم على المسلمين: الذين كفروا من أهل الكتاب، من أهل"سيس"والإفرنج. فنحن نرجو من الله أن ينزلهم من صياصيهم، وهي الحصون -ويقال للقرون: الصياصي- ويقذف في قلوبهم الرعب. وقد فتح الله تلك البلاد. ونغزوهم إن شاء الله تعالى، فنفتح أرض العراق وغيرها، وتعلو كلمة الله ويظهر دينه؛ فإن هذه الحادثة كان فيها أمور عظيمة جازت حد القياس. وخرجت عن سنن العادة. وظهر لكل ذي عقل من تأييد الله لهذا الدين، وعنايته بهذه الأمة، وحفظه للأرض التي بارك فيها للعالمين -بعد أن كاد الإسلام أن ينثلم، وكر العدو كرة فلم يلو عن .. وخذل الناصرون فلم يلووا على .. وتحير السائرون فلم يدروا من .. ولا إلى .. وانقطعت الأسباب الظاهرة. وأهطعت الأحزاب القاهرة،