الصفحة 24 من 48

وقد ذكر أهل المغازي -ابن اسحق- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الخندق: [الآن نغزوهم، ولا يغزونا] فما غزت قريش ولا غطفان، ولا اليهود المسلمين بعدها؛ بل غزاهم المسلمون: ففتحوا خيبر ثم فتحوا مكة. كذلك -إن شاء الله- هؤلاء الأحزاب من المغل وأصناف الترك ومن الفرس، والمستعربة، والنصارى، ونحوهم من أصناف الخارجين عن شريعة الإسلام: الآن نغزوهم ولا يغزونا. ويتوب الله على من يشاء من المسلمين، الذين خالط قلوبهم مرض أو نفاق، بأن ينيبوا إلى ربهم، ويحسن ظنهم بالإسلام، وتقوي عزيمتهم على جهاد عدوهم. فقد أراهم الله من الآيات ما فيه عبرة لأولي الأبصار، كما قال: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وكفى الله المؤمنين شر القتال، وكان الله قويًا عزيزًا} (وقد كان فإن الريح بعد هذه الغزوة كانت على التتار حتى أدال الله دولتهم، وأذهب ريحهم) .

ل- قاتل الله مع أهل الإيمان في الخندق بالريح والبرد وفي حصار دمشق كذلك:

فإن الله صرف الأحزاب عام الخندق بما أرسل عليهم من ريح الصبا: ريح شديدة باردة. وبما فرق به بين قلوبهم، حتى شتت شملهم، ولم ينالوا خيرًا. إذ كان همهم فتح المدينة والاستيلاء عليها وعلى الرسول والصحابة، كما كان هم هذا العدو فتح الشام والاستيلاء على من بها من المسلمين، فردهم الله بغيظهم، حيث أصابهم من الثلج العظيم، والبرد الشديد، والريح العاصف، والجوع المزعج، ما الله به عليم.

وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التي وقعت في هذا العام، حتى طلبوا الاستصحاء (أي الصحو وهو الدفء وشروق الشمس) ، غير مرة. وكنا نقول لهم: هذا فيه خيرة عظيمة. وفيه لله حكمه وسر، فلا تكرهوه، فكان من حكمته: أنه فيما قيل: أصاب قازان (ملك التتار الذي غزا دمشق) ، وجنوده، حتى أهلكهم، وهو كما فيما قيل: سبب رحيلهم. وابتلي به المسلمون ليتبين من يصبر على أمر الله وحكمه ممن يفر عن طاعته وجهاد عدوه. وكان مبدأ رحيل قازان فيمن معه من أرض الشام وأراضي حلب: يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى، يوم دخلت مصر عقيب العسكر، واجتمعت بالسلطان وأمراء المسلمين، وألقى الله في قلوبهم من الاهتمام بالجهاد ما ألقاه (وذلك بعد استنفار شيخ الإسلام ابن تيمية لهم) . فلما ثبت الله قلوب المسلمين صرف العدو، جزاء منه، وبيانًا أن النية الخالصة والهمة الصادقة ينصر الله بها، وإن لم يقع الفعل وإن تباعدت الديار.

م- فرق الله بين الأحزاب في الغزوتين:

وذكر أن الله فرق بين قلوب هؤلاء المغل والكرج وألقى بينهم تباغضًا وتعاديًا، كما ألقى سبحانه عام الأحزاب بين قريش وغطفان، وبين اليهود. كما ذكر ذلك أهل المغازي. فإنه لم يتسع هذا المكان لأن نصف فيه قصة الخندق. بل من طالعها علم صحة ذلك، كما ذكره أهل المغازي. مثل عروة بن الزبير،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت