الذي يجريه بفعل غيره. فإن أقوامًا يشحون بمعروفهم، وأقوامًا يشحون بمعروف الله وفضله. وهم الحساد.
ط- المنافقون شجعان عن الأمن، جبناء عند الخوف:
قال تعالى: {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يخشى عليه من الموت} من شدة الرعب الذي في قلوبهم، يشبهون المغمى عليه وقت النزع؛ فإنه يخاف ويذهل عقله، ويشخص بصره، ولا يطرف. وكذلك هؤلاء؛ لأنهم يخافون القتل.
{فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} ويقال في اللغة (صلقوكم) وهو رفع الصوت بالكلام المؤذي. ومنه (الصالقة) وهي التي ترفع صوتها بالمصيبة. يقال: صلقه، وسلقه -وقد قرأ طائفة من السلف بها؛ لكنها خارجة عن المصحف- إذا خاطبه خطابًا شديدًا قويًا. ويقال: خطيب مسلاق: إذا كان بليغًا في خطبته؛ لكن الشدة هنا في الشر لا في الخير. كما قال {بألسنة حداد، أشحة على الخير} . وهذا السلق بالألسنة الحادة، يكون بوجوه:
تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذين جرى علينا بشؤمكم؛ فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه، وخالفتموهم؛ فإن هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة.
وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا، والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت، وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا.
وتارة يقولون -أنتم مع قلتكم وضعفكم- تريدون أن تكسروا العدو، وقد غركم دينكم، كما قال تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم} .
وتارة يقولون: أنتم مجانين، لا عقل لكم، تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم.
وتارة يقولون: أنواعا من الكلام المؤذي الشديد. وهم مع ذلك أشحة على الخير، أي حراص على الغنيمة والمال الذي قد حصل لكم. قال قتادة: إن كان وقت قسمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم. يقولون: أعطونا، فلستم بأحق بها منا. فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق. وأما عند الغنيمة فأشح قوم. وقيل: أشحة على الخير، أي بخلاء به، لا ينفعون، لا بنفوسهم ولا بأموالهم.