ثم قال تعالى: {وإذًا لا تمتعون إلا قليلًا} يقول: لو كان الفرار ينفعكم لم ينفعكم إلا حياة قليلة، ثم تموتون. فإن الموت لا بد منه. وقد حكي عن بعض الحمقى أنه قال: فنحن نريد ذلك القليل. وهذا جهل منه بمعنى الآية. فإن الله لم يقل: إنهم يمتعون بالفرار قليلًا. لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه أبدًا. ثم ذكر جوابًا ثانيًا. أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل. ثم ذكر جوابًا ثالثًا، وهو أن الفار يأتيه ما قضي له من المضرة، ويأتي الثابت ما قضي له من المسرة. فقال: {قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءًا أو أراد بكم رحمة، ولا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا} .
ونظيره: قوله في سياق آيات الجهاد: {أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة} الآية، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا، وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض، أو كانوا غزّى: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا؛ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، والله يحيي ويميت، والله بما تعملون بصير} . فمضمون الأمر: أن المنايا محتومة، فكم ممن حضر الصفوف فسلم، وكم ممن فر من المنية فصادفته، كما قال خالد بن الوليد -لما احتضر- لقد حضرت كذا وكذا صفا، وإن ببدني بضعًا وثمانين، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت العير. فلا نامت أعين الجبناء.
ح- المثبطون عن الغزو:
ثم قال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا} . قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من الخندق فيدخل المدينة، فإذا جاءهم أحد قالوا له ويحك! اجلس، فلا تخرج. ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين بالعسكر: أن ائتونا بالمدينة، فإنا ننتظركم. يثبطونهم عن القتال. وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بدًا. فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم. فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة. فانصرف بعضهم من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ. أنت ههنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إلي، فقد أحيط بك وبصاحبك.
فوصف المثبطين عن الجهاد -وهم صنفان- بأنهم إما أن يكونوا في بلد الغزاة، أو في غيره، فإن كانوا فيه عوقوهم عن الجهاد بالقول، أو بالعمل، أو بهما. وإن كانوا في غيره راسلوهم، أو كاتبوهم: بأن يخرجوا إليهم من بلد الغزاة، ليكونوا معهم بالحصون، أو بالبعد. كما جرى في هذه الغزاة.
فإن أقوامًا في العسكر والمدينة وغيرهما صاروا يعوقون من أراد الغزو، وأقوامًا بعثوا من المعاقل والحصون وغيرها إلى إخوانهم: هلم إلينا. قال الله تعالى فيهم: {ولا يأتون البأس إلا قليلًا. أشحة عليكم} أي بخلاء عليكم بالقتال معكم، والنفقة في سبيل الله. وقال مجاهد: بخلاء عليكم بالخير والظفر والغنيمة. وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله، أو شح عليهم بفضل الله: من نصره ورزقه