وهكذا أصاب كثيرًا من الناس في هذه الغزاة. صاروا يفرون من الثغر إلى المعاقل والحصون، وإلى الأماكن البعيدة، كمصر. ويقولون: ما مقصودنا إلا حفظ العيال، وما يمكن إرسالهم مع غيرنا. وهم يكذبون في ذلك. فقد كان يمكنهم جعلهم في حصن دمشق، لو دنا العدو. كما فعل المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان يمكنهم إرسالهم والمقام للجهاد. فكيف بمن فر بعد إرسال عياله؟ قال الله تعالى: {ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها، وما تلبثوا بها إلا يسيرًا} فأخبر أنه لو دخلت عليهم المدينة من جوانبها ثم طلبت منهم الفتنة -وهي الافتتان عن الدين بالكفر، أو النفاق- لأعطوا الفتنة. ولجاءوها من غير توقف.
وهذه أحوال أقوام لو دخل عليهم العدو المنافق المجرم. ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام -وتلك فتنة عظيمة- لكانوا معه على ذلك. كما ساعدهم في العام الماضي أقوام بأنواع من الفتنة في الدين والدنيا، ما بين ترك واجبات، وفعل محرمات، إما في حق الله، وإما في حق العباد. كترك الصلاة، وشرب الخمور. وسب السلف، وسب جنود المسلمين، والتجسس لهم على المسلمين، ودلالتهم على أموال المسلمين، وحريمهم، وأخذ أموال الناس. وتعذيبهم، وتقوية دولتهم الملعونة، وإرجاف قلوب المسلمين منهم، إلى غير ذلك من أنواع الفتنة.
ثم قال تعالى: {ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولًا} وهذه حال أقوام عاهدوا ثم نكثوا، قديمًا وحديثًا، في هذه الغزوة. فإن في العام الماضي، وفي هذا العام: في أول الأمر، كان من أصناف الناس من عاهد على أن يقاتل ولا يفر، ثم فر منهزمًا، لما اشتد الأمر.
ز- الفرار من العدو موجب للخسران في الدنيا والآخرة:
ثم قال الله تعالى: {قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل. وإذًا لا تمتعون إلا قليلًا} فأخبر الله أن الفرار لا ينفع لا من الموت ولا من القتل. فالفرار من الموت كالفرار من الطاعون. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه] والفرار من القتل كالفرار من الجهاد. وحرف {لن} ينفي الفعل في الزمن المستقبل. والفعل نكرة. والنكرة في سياق النفي تعم جميع أفرادها. فاقتضى ذلك: أن الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة أبدًا. وهذا خبر الله الصادق. فمن اعتقد أن ذلك ينفعه فقد كذب الله في خبره.
والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن. فإن هؤلاء الذين كفروا في هذا العام لم ينفعهم فرارهم؛ بل خسروا الدين والدنيا، وتفاوتوا في المصائب. والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك في الدين والدنيا، حتى الموت الذي فروا منه كثر فيهم. وقل في المقيمين. فما منع الهرب من شاء الله. والطالبون للعدو والمعاقبون له لم يمت منهم أحد، ولا قتل؛ بل الموت قل في البلد من حين خرج الفارون. وهكذا سنة الله قديمًا وحديثًا.