الصفحة 18 من 48

فدلت هذه الآية -وهي قوله تعالى: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} - على أن المرض والنفاق في القلب يوجب الريب في الأنباء الصادقة التي توجب أمن الإنسان: من الخوف، حتى يظنوا أنها كانت غرورًا لهم، كما وقع في حادثتنا هذه سواء.

ثم قال تعالى: {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا} وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عسكر بالمسلمين عند سلع، وجعل الخندق بينه وبين العدو. فقالت طائفة منهم: لا مقام لكم هنا؛ لكثرة العدو. فارجعوا إلى المدينة. وقيل: لا مقام لكم على دين محمد، فارجعوا إلى دين الشرك. وقيل: لا مقام لكم على القتال، فارجعوا إلى الاستئمان والاستجارة بهم.

وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من قال: ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم، فينبغي الدخول في دولة التتار. وقال بعض الخاصة: ما بقيت أرض الشام تسكن؛ بل ننتقل عنها، إما إلى الحجاز أو اليمن، وإما إلى مصر. وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء، كما قد استسلم لهم أهل العراق، والدخول تحت حكمهم.

فهذه المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة. كما قيلت في تلك. وهكذا قال طائفة من المنافقين، والذين في قلوبهم مرض، لأهل دمشق خاصة والشام عامة: لا مقام لكم بهذه الأرض.

ونفي المُقام بها أبلغ من نفي المَقام. وإن كانت قد قرئت بالضم أيضا. فإن من لم يقدر أن يقوم بالمكان، فكيف يقيم به؟

قال الله تعالى: {ويستأذن فريق منهم النبي. يقولون إن بيوتنا عورة. وما هي بعورة؛ إن يريدون إلا فرارًا} .

وكان قوم من هؤلاء المذمومين يقولون -والناس مع النبي صلى الله عليه وسلم عند سلع داخل الخندق، والنساء والصبيان في آطام المدينة-: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، أي مكشوفة ليس بينها وبين العدو حائل.

وأصل العورة: الخالي، الذي يحتاج إلى حفظ وستر. يقال: أعور مجلسك إذا ذهب ستره، أو سقط جداره. ومنه عورة العدو.

وقال مجاهد والحسن: أي ضائعة تخشى عليها السراق. وقال قتادة: قالوا: بيوتنا مما يلي العدو، فلا نأمن على أهلنا، فائذن لنا أن نذهب إليها، لحفظ النساء والصبيان. قال الله تعالى: {وما هي بعورة} لأن الله يحفظها {إن يريدون إلا فرارًا} فهم يقصدون الفرار من الجهاد، ويحتجون بحجة العائلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت