الصفحة 22 من 48

وأصل الشح: شدة الحرص الذي يتولد عنه البخل والظلم: من منع الحق، وأخذ الباطل. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إياكم والشح: فإن الشح أهلك من كان قبلكم. أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا؟] فهؤلاء أشحاء على إخوانهم، أي بخلاء عليهم، وأشحاء على الخير أي حراص عليه. فلا ينفقونه. كما قال: {وإنه لحب الخير لشديد} . ثم قال تعالى: {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا، وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب، يسألون عن أنبائكم، ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلًا} .

فوصفهم بثلاثة أوصاف:

أحدها: أنهم لفرط خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد. وهذه حال الجبان الذي في قلبه مرض؛ فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف، وتكذيب خبر الأمن.

الوصف الثاني: أن الأحزاب إذا جاءوا تمنوا أن لا يكونوا بينكم؛ بل يكونون في البادية بين الأعراب، يسألون عن أنبائكم؛ إيش خبر المدينة؟ وإيش جرى للناس؟.

والوصف الثالث: أن الأحزاب إذا أتوا، وهم فيكم، لم يقاتلوا إلا قليلًا. وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس في هذه الغزوة كما يعرفونهم من أنفسهم، ويعرفه منهم من خبرهم.

ى- المؤمنون شجعان ثابتون عند الخوف أسوتهم رسول الله:

ثم قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} . فأخبر سبحانه أن الذين يبتلون بالعدو، كما ابتلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهم فيه أسوة حسنة، حيث أصابهم مثل ما أصابه. فليتأسوا به في التوكل والصبر، ولا يظنون أن هذه نقم لصاحبها، وإهانة له. فإنه لو كان كذلك ما ابتلي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الخلائق؛ بل بها ينال الدرجات العالية، وبها يكفر الله الخطايا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا. وإلا فقد يبتلى بذلك من ليس كذلك فيكون في حقه عذابًا. كالكفار والمنافقين.

ثم قال تعالى: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله. وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا} .قال العلماء: كان الله قد أنزل في سورة البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب} فبين الله سبحانه -منكرًا على من حسب خلاف ذلك- أنهم لا يدخلون الجنة إلا بعد أن يبتلوا مثل هذه الأمم قبله بـ (البأساء) وهي الحاجة والفاقة. و (الضراء) وهي الوجع والمرض. و (الزلزال) وهي زلزلة العدو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت