الصفحة 74 من 206

فإذا رأى الله عز وجل أن خدعتها الكبرى أطاشت سواد الناس وأذهلتهم عن أنفسهم وعن ربهم، وعن أولاهم وآخرتهم، وبعثتهم مجانين يسعرون الحروب للباطل ويقيمون السلام للعبث . فما الذى يرد لهؤلاء صوابهم إلا أن يقال لهم: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) . إن هذه الآية وأشباهها تعيد التوازن إلى النفوس التى اختلت فيها أوضاع الحقيقة: وجماهير البشر عندما يحتبس نشاطهم بين أكوام الثرى من عالمهم الصغير، فلا يفكرون إلا في حدود المتاع العاجل، يحتاجون إلى نبى يصيح فيهم:"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما". وعندما يتفاضل الناس بحظوظهم من الدنيا وحدها يقول:"أربع من كن فيه فلا عليه ما فاته من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة". فهذه السهام التى يصوًبها النبيون إلى الدنيا لا يبغون إلا أن يصيبوا بها ما علمت من شر وإثم وغدر. على أن أناسا نظروا إلى السهم المنطلق وعفوا عن الذاهب إليه فظنوا المرسلين يشتغلون بقتل الأحياء... وقالوا: إن رسالات السماء جاءت لتخريب الأرض.. وكذبوا. ما جاءت إلا لعمارتها، وجعلها جنة قبل الجنة وانتفاعا بهدى الله قبل السعادة بجواره المقيم في ديار النعيم. فليس من حقيقة التقوى أن تكون محدود الأمل، ضيق الرجاء، فإن ذلك يدل على عجز في النفس، أكثر مما يدل على إيمان في القلب. بل أولى بك أن تكون بعيد الهمة واسع الطموح، تتطلع إلى آفاق لا نهاية لها مادام فيك عرق ينبض. وكل ما يطلب منك إزاء ذلك أن تهيئ لكل شىء وسيلته وتعد لكل أمر عدته (ومن طلب عظيما خاطر بعظيمته) . ص _083

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت