الصفحة 73 من 206

وإذا رأى غيره يؤتى الكثير ويواتيه النجاح وينتقل في مدارج الرقى فهل يدع سورات الضغينة تأكل قلبه لأنه فشل حيث أفلح غيره، أم يرضى عن الآخرين ويعدل في شعوره نحوهم ؟.. وإذا ضنت موارد الحلال ودرت موارد الحرام، فهل يقال للمسلم: خذ ما أتيح لك، أم يقال له: استعف وتصبر؟ إن الإسلام يوجب الرضا بالقسمة يوم يكون هذا الشعور النبيل عزاء للمحروم وطمأنينة للمتخلف وحصانة من الجشع. أما إذا قعد الرجل عن الكسب لإعالة نفسه، وإعزاز شخصه، فرضاه بالمقسوم جريمة خلقية... وإذا أبطأ في توسيع ثروته لتربية أولاده وصيانة حاضرهم ومستقبلهم فرضاه بالمقسوم جريمة اجتماعية، وإذا ترك كيان أمته في الميادين العامة يتداعى بالخمول والطراوة، والقنوع بأدنى العيش فالرضا بالمقسوم جريمة سياسية. إن الرضا المحمود عنوان عاطفة تعمل في نطاق محدود، ومن التزوير أن يؤخذ هذا العنوان ليكون غطاء رذائل نبذها الإسلام، وَعَدَّ أصحابها مرضى. أما الدنيا التى لعنها الله وازدراها أولو الألباب فهى دنيا الغرور والمفاسد والأهواء، لا دنيا العمل والغرس والكفاح، ومن من الناس يحمد هذه الدنيا؟ لقد رأيناها تمزق الأرحام بين الأخوة الأشقاء وتغرى بعضهم باغتيال البعض وإخماد أنفاسه، استئثارا بعرض زائل. لقد رأينا فتنتها تنسج على الأبصار غشاوات حاجبة أو خادعة جعلت الأرض مذأبة تسودها الوحشة والرهبة. فأينما يممت لا تلمح إلا ركض الوحوش تهيجها الغرائز الوضيعة، فلا حق ولا خير، ولا أمن، ولا وئام.. أرأيت ألوانها الزاهية وألحانها السابية ؟ إنها تقبل عليك كالمائدة الحافلة الشهية، وتنتهى بك- أو تنتهى معها- مثلما ينتهى الطعام في بطنك.. فضلات منتنة مزعجة. قبحت هذه الدنيا، ما تغر إلا الحمقى، وما يتمحض لها إلا المغفلون. ص _082

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت