ألم تسمع إلى سليمان وهو يطلب من الله ملكا فذا لا يشبهه فيه أحد فيقول: (... رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب) . فكان من إجابة الله له (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) . إن الله لم يقل له قف عند ما قسم لك.. ألم تر أيوب وكان يغتسل عريانا فوقع عليه جراد من ذهب، فطارت واحدة، فجرى خلفها.. فقال الله له: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عن هذا فقال: بلى! ولكن لا غنى لى عن بركتك.. لقد تشبع أيوب من مال الله على هذا النطاق الواسع. فلم يقل الله له: قف عندما قسم لك. وانظر إلى يوسف الصديق وهو خارج من السجن وكان بحسبه- وقد أتيحت له نعمة الحرية بعد اعتقال طويل- أن يحيا في كنفها، قانعا وادعا، فأبى لنفسه تلك المنزلة، وقال لعزيز مصر: (...اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) . وامتن الله على يوسف إذ تسنَّم هذا المنصب العالى فقال: (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) . ولم يعاتب الله يوسف على هذا التطلع. فلم يقل له: قف عندما قسم لك.. هؤلاء نفر من المسلمين الكبار لم يخدش الطموح ما عرفوا به من تقوى، ولا نزل بمكانتهم عند الله قيد أنملة.. إن الرضا بالقسمة قد يكون من الدين، وقد يكون من العجز الذى يزجر عنه الدين. إذا سعى الرجل ضاربا في طول البلاد وعرضها واستنفد قواه في استنباط الخير وتقريب الرزق فإذا هو يدركه الكلال ويداه فارغتان، من قدر قاهر لا من كسل غالب، فهل ينتحر جزعا، أن يطوى فؤاده على ضرب من السكينة والركون للأحداث؟ ص _081