والرجل الكفء أهل لما يصل إليه من كرامة، وأهل لما يطلب لنفسه من منزلة . لقد طلب خالد بن الوليد من إخوانه- قادة الفرق في معركة اليرموك- أن يكلوا إليه أمر القيادة العامة، وعرض ذلك في صراحة وفى كياسة وأخيب إلى طلبه. على أن انفساح الأمل لا يقبل إلا إذا اقترن بالإخلاص لله وحده، وكان عمل الرجل إذا وضع في المؤخرة كعمله إذا وضع في المقدمة سواء بسواء. وبهذه الروح كان مسلك خالد يوم أن ترك القيادة وعاد جنديا.. إن الإسلام إنما يبغض الأطماع السمجة والحرص البارد علي المظاهر الكاذبة واصطناع الدسائس للظفر بأبهة الدنيا لا بخدمة الدين، فكن طموحا واحذر الطمع. إن الدين خير كله، وما تصلح الحياة إلا بتعاليمه، بيد أن علينا إقصاء المتأكلين به عن ساحته، وتمكن أولى الأيدى والأبصار وحدهم من فقهه وعرضه. وأحسبنى في كثير من كتبى قد أشبعت هذا الموضوع بحثا. وأود أن أقول للسائل المستريب: إن نهضة الإسلام في عصرنا هذا تعتمد على أصول مكينة من الإدراك المسدد، والعاطفة الحارة.. وإن المسلمين أحوج الناس في هذه الأيام إلى الانعطاف لدينهم، والاستمساك به.. وربما أخذ على الدعوة الإسلامية في هذا العصر ما يعرو جبهتها من تقطع، مرده- في نظرى- اختلاط الدعاة بالأدعياء، والنائحة الثكلى بالنائحة المستأجرة. لكن هذه العلة لن تطول، فإن الحق آخر الأمر ينفرد ويخلد: (...والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) . *** ص _084