الصفحة 70 من 206

وازدحم الناس على موارد العيش يقتتلون على نيل المستطاع منها، فهم في تنافس وتطاحن، لا يبقيان على إيثار أو رحمة. وحضارة الغرب أساسها الصناعة والتصنع، فهى أبعد ما تكون عن الطبيعة ومجالاتها الرحبة، وبقدر ما ابتعدت الأمم في ظلها عن بساطة الفطرة ابتعدت كذلك عن الله جل شأنه، فالرجل المعتاد يجد الساعات لمطالعة الغثاء في شتى الصحف والكتب ولا يجد الدقائق لقراءة آى من القرآن. أما جبهة القوت المترامية وراء الدواوين والدكاكين والمصانع والمزارع، فإن الضجة التى تسودها تصم الآذان.. وقلما تستبين في بغامها الممتد صوتا يمجد الله ويذكر آلاءه.. على أن هذه الحجب كلها لا تعوق سائرا ولا تصد رائدا. إنها وهم يهول من بعيد ويتكشف باطله من قريب. وأصحاب الإيمان عندما يقومون بحق الله عليهم قد لا تكون هذه العقبات عرضة لهم، بل حفزا لهممهم، وضياء إلى أهدافهم.. ضم إلى هذا أن الله عز وجل يبارك كل جهد في سبيله مهما ضؤل، وأن اتجاهات الإرادة الإنسانية تعدل عند القوة التى يثب بها جناح طائر ولو كانت تنتقل بخطوات سلحفاة. فأيما عبد وصل فكره بربه وأحب أن يتجه له بعمله فإن ما يلقاه من حفاوة وتقريب وما ينقذف في قلبه من إشراف وإقبال أضعاف أضعاف ما يبذل من سعى. (...ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور) . بل إن تطلع النفس إلى حسنة- ولو لم تفعلها- يكتب لها حسنة. فإذا ارتقى الأمل في صنع الخير إلى عمل فقليله يكثر وضعيفه يوثق. وظنون المغفرة والرضوان فيه تقبل وتصدق كما قال الله تبارك وتعالى في حديثه القدسى:"وأنا عند ظن عبدى بى وأنا معه حين يذكرنى، فإن ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن اقترب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلى ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتانى يمشى أتيته هرولة". والحديث تصوير سمح لما وضعه الله في نيات الخير ومساعى الكمال من قبول وبركة، فلا تستهينن بباعث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت