أما حين يدأب على متابعة الخطو في سبيل الاستقامة والكرامة ولا تزيده الأيام إلا استهجانا للآثام واحتراما للفضائل، فإنه يرزق قلبا حيا يقر بالطاعات ويبتهج بأدائها، ويفرح بالبعد عن مساخط الله، فرحة الصحيح بالعافية عن الأدواء والعلل. للكسل لذة يتحدث عنها العجزة والقاعدون . وللعمل لذة يعرفها أولو النجدة والبأس ويبلغون في ظلها أهدافهم القصية. وشتان بين هذه اللذة وتلك.. للنكوص لذة يتشبث بها الهاربون الجبناء، وللمغامرة لذة يطير بنشوتها بغاة العلا، وعلى فم أحدهم: تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد لنفسى حياة مثل أن أتقدما شتان ما بين لذة ولذة. وللتهاون بالصلاة والنوم عنها لذة صغيرة., فإن إقام الصلاة ثقيل مرهق للكثير (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) . ولكن لذكر الله وإقام الصلاة سعادة يشعر بها قوم آخرون وتتجدد بها قواهم. وفى الحديث"يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة- عليك ليل طويل فارقد- فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت عقدة، فإذا صلى انحلت العقد الثلاث، فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان". ومن التغرير السيئ أن تحسب طريق الحق لا مؤنة له ولا جهد فيه. وأسوأ من ذلك أن تنتظر الفلاح فيه باللهو واللعب واتباع الشهوات. إن الأمر يتطلب عناء طويلا وإعدادا كبيرا، وقد مضت سنة الرجولة والبطولة من قديم، أن من طلب عظيما خاطر بعظيمته ، ولأمر ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حُفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) . وفى أيامنا هذه كثرت المغريات والمنسيات، حتى أصبح الطريق إلى الله يتطلب عزما أشد، وبصرا أقوى، وهمة أبعد. أصبح اللهو واللغو فنونا لا تحصى، ركنت إليها النفوس حتى لكأنها تنزل إليها من منحدر لا قرار له. ص _078