فليس من مصلحة الدين والحياة أن يترك الشر يمرح ويمتد دون جهاد حلو أو مرير. ص _076
فى ميدان التربية للسعى في تحصيل الفضائل واستكمال الأمجاد، سعادة يستشعرها الرجال المكافحون ويستطيبون بها مراحل الكفاح إن طالت. وربما كان هذا الإحساس المقارن نفحة من السماء، تذكر الإنسان بأصله العريق وتنعش فيه مواهبه العليا، وتؤنسه بحياة الطهر والعفاف والترفع، إن حاولت الوساوس الأخرى أن تزل قدمه أو تخلد به إلى الأرض. وإغراء التوابين والمتطهرين بنشوة هذا الإحساس الراقى بعض ما عناه النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يوصى الشباب بالتسامي عن الدنايا قائلا:"النظرة سهم مسموم من سهام إبليس - لعنه الله- من تركها خوفا من الله آتاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه". فخطورة النظرة الخبيثة، أنها محور لما يسميه علماء النفس بتداعى المعانى. إن الفيضان المدمر قد يبدأ ثقبا صغيرا في السدود الحاجزة. والحريق المستعرة قد تبدأ شررا خفيفا. وكذلك تمرُّغ المرء في المعصية وتقلبه في حمأتها إنما ينشأ عن تهاون واستخفاف بالخطوات الأولى في طريق الإثم. والنظرة العابرة تعقب أفكارا مشوهة وتحرك أمانى مكظومة وتثير في نواحى النفس لغطا وحيرة. وأدنى مراتبها أنها لو لم تجلب شرا عاجلا فهى عائق عن الفضيلة والتجرد لها وكما قال الشاعر: وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذى لا كله أنت قادر عليه ولاعن بعضه أنت صابر أما حين يملك الرجل إرادته ويحكم نظره ويراقب ربه ويمشى في طريقه وهو موقن بأنه لن يغيب لحظة عن شهوده وهو القائل: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) ص _077