الصفحة 67 من 206

ثم مضى هذا الرسول العظيم يقارن بين جهاد الاختلاط وجهاد العزلة فصور بعد الشقة بين الأمرين تصويرا عجبا . قال أبو هريرة: قيل للنبى صلى الله عليه وسلم:ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال: لا تستطيعونه! قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا.. كل ذلك يقول: لا تستطيعونه! وقال في الثالثة: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله. وحدث النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالى أن أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج.. وقال آخر: ما أبالى أن أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام.. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم.. فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو يوم الجمعة- ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله عز وجل: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون) . ومضت السنن المروية عن صاحب الرسالة العظمى تصور الحسنات التى تسجل للمجاهدين وتذكر الأضعاف التى تنضاف إليهم من حيث لا يحتسبون حتى عدت في موازين أعمالهم أرواث الخيل التى يمتطونها وهم يجوبون الميادين إحقاقا للحق وإبطالا للباطل، إن هذه الأرواث أزكى من الحرير والدمقس الذى يخب فيه القاعدون. وأعرف من بلائى مع الناس أن الإنسان قد يتأذى من كنودهم وغدراتهم، حتى ليأنس بالحيوان ويرهب أبناء جنسه. وأنه قد يشمئز من بعض الأخلاق والأعمال فيفر منها كما يفر من مصادر الروائح العفنة. بيد أن هذه المشاعر إن سوغت الاعتكاف حينا فهى لا تسوغ الإدبار والنفور آخر الدهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت