وبهذا التعريف الجديد للتقوى أصبح المؤمنون فرسانا لا رهبانا، ورفض الإسلام الترهب الذى يدع الإثم يسير من غير نكير، وأصبح الإقبال على الحياة ومعالجة كروبها وهمومها لإثبات معروف ومحو منكر، جهادا مبرور الغدو والرواح.. ولا شك أن أهل الشر وحضنة الفساد كرهوا الإسلام لهذه النزعة البادية في تعاليمه... ومنطقهم في كراهيته بيَن... فهم لا يضارون من رجال يتقربون إلى الله بالفرار من شرور الدنيا، وإنما يضارون من رجال يتقربون إلى الله بالهجوم على هذه الدنيا، لتقييد الشياطين المهتاجة في جنباتها... وأولى الناس بمعرفة هذه الحقيقة حملة رسالات الإصلاح.. ولذلك قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لصاحبه الذى شاقته العزلة، وأعجبه أن يعبد الله في شغف الجبال:"لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله تعالى أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما.. ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة.. اغزوا في سبيل الله.. من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة...". وفى رواية لأحمد:"لمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة". ونحن على هدى من تجاربنا مع الناس وفقهنا في الإسلام نشعر بأن الإنسان في كفاحه العام يحتاج إلى أويقات ينفرد فيها بنفسه مثلما يحتاج السائر إلى منازل يحط فيها رحاله ويحم فيها بدنه، ومثلما يحتاج القارئ إلى هدءات ينسق فيها معارفه وينظم بها فكره... والإسلام الذى يسن الاعتكاف لأبنائه.. ويأذن لهم بالعزلة إلى حين، يرفض أن تتحول هذه العزلة إلى هجران للمجتمع وقلة مبالاة بالمعركة الخالدة الدائرة بين الحق والباطل.. لأن العزلة ـ ولو في عبادة ـ لن تعدو ضربا من الراحة المحببة أو اللذة التى تنشدها النفوس، نشدان الأجسام لبعض الشهوات... وما قيمة عبادة تجعل صاحبها محايدا، أو مشلول اليد، في حرب بين الكفر والإيمان لا تدرى نتائجها..؟ ذلك ما كرهه الرسول لصاحبه الذى يتطلع إلى العزلة. ص _075