الصفحة 65 من 206

ورسول الله أعرف الناس بالعزلة وما يدفع إليها، وما تتمخض عنه، وما يبغيه طلابها من استجماع واستجمام، عندما تموج المجتمعات بالفتنة والصخب.. لطالما أوى إلى غار حراء موليا عن الجاهلية التى غمرت الدنيا بالشرك والإثم.. حتى طلع عليه صبح الوحى فرجع منه يحمل إلى الحياة رسالة النور... ومن قبله قال الخليل إبراهيم لقومه المشغوفين بعبادة الأصنام: (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا) . غير أن العزلة كالصمت.. والصمت قد ينشأ عن الوقار والجد، وقد ينشأ عن العى والحصر.. كذلك اعتزال الناس ربما كان أثر كلال من معاملتهم فهو انسحاب من الميدان. أو كان استعدادا لمنازلتهم فهو عون على النضال.. ومثل هذه الأمور لا يحمد ولا يذم في كل حال.. ومن ثم تفاوتت السنن الواردة في تقدير العزلة والحكم عليها ، إلا أن المقطوع به، أن اتجاه الإسلام في شرح مراتب الكمال يخالف ما عرف في ذلك عن الديانات الأولى.. كما أن الترهب في الصوامع القصية، والانقطاع في الأديار حتى الموت، وهجر الحياة ومطالبها، والإقبال على النفس بالمجاهدة، وعلى الفكر بالتأمل، كان ذلك كله آية اليقين والصفاء التام، والتوبة التى لا ريب فيها... وبهذا المنهج كان الفرد المؤمن إذا تطلع إلى مزيد من التقوى يقربه إلى الله، ركن إلى الذكر، والقراءة، والاستغفار، والصلوات !، وكلما تخفف من الدنيا، ومن الناس، بما يعينه على هذه الغاية كان أنقى وأزكى..! أما الإسلام فقد رسم للعباد المجتهدين طريقا أخرى غير هذه الرهبانية الخاشعة المتبتلة، طريقا يجشمهم السير في الرمضاء وتحت الصخور... إنه لم يقل لمن يحبون الله اعتزلوا الحياة وتأملوا... بل قال لهم: انغمروا في الحياة وعالجوا باطلها بالحق، وقاوموا طواغيتها بالقوة، وابذلوا في تقويمهم المال والدم. ص _074

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت