الصفحة 64 من 206

فن الاختلاط والعزلة هى جنة الدنيا قبل جنة الآخرة.. ما أهدأ العيش فيها، وأقره للعين، وأبعده عن دواعى اللغو واللغوب..! ربوة صامتة وادعة يجد المرء في سكونها سكينة نفسه، وفى انقطاعها فرصة للفراغ من الخلق والتفرغ للخالق. ولئن كانت عقد الحياة وهواجس الطباع ومشاكل الناس تنتهب قلب المرء وتبعث به شعاعا لا يمسكه شىء.. إن هذه الربوة المنعزلة في هذا الشعب البعيد تجمع قلب المرء على ربه فما ينقطع عن ذكره في صباح أو أصيل. سيكون الأنس بالله أصلا قائما، والذهول عنه عرضا عابرا. وهل ينشد المؤمن حياة أفضل من تلك..؟ دارت هذه المعانى في حقد مسافر طيب من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدثته نفسه أن يجنح إلى البقعة الريفية التى يعشقها.. لكنه لم يعزم على شىء حتى يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويستهديه فيما يفعل ويدع.. عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: مر رجل بشعب فيه عيينة من ماء عذبة.. فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب.. إن الذين يعالجون شئون الناس يرون حول هذه العيينة السائلة بالرى العذب، أمنية شهية المنال، إن المكدود يهرع إليها ليراح كما يأوى إليها الظمآن ليروى... ما أشوقنا إلى هذا المكان البعيد وكم تهفو أفئدتنا إلى الارتماء في أحضان هذه الوحشة السائدة، وكم تتمثل ألسنتنا بقول القائل: وإن امرءا يمسى ويصبح سالما من الناس، إلا ما جنى، لسعيد على أن هذا الصحابى لم يطاوع رغبته أول ما جاشت.. فقبل أن يعتزل الناس في هذه الناحية المعجبة قال: لن أفعل حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ص _073

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت