(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا …) . لكن ما شرط ذلك؟ وما مقدماته الصحيحة؟ (يعبدونني لا يشركون بي شيئا…) (ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) وعادت الآيات تكرر أوامر الخير وأسباب الفلاح (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون) . وهذه مدارج الفضل والسناء. أى مجتمع تهى فيه عرى الأخلاق، وتضعف فيه مقومات النفوس الكبيرة، هيهات أن يوفق إلى تأسيس دولة مكينة أو إقامة حكم رشيد... إن النفوس الدنيا لا يمكنها أن تقيم أحكام السماء، ولا تستطيع- وهى مخلدة إلى الأرض- أن تستجيب لتعاليم الوحى، أو تستقيم مع جوه النقى الطهور. أرأيت امرءا خليعا يشرع دساتير الأدب ويطبقها، أرأيت امرءا خوارا يشرع دساتير الكفاح ويؤججها؟ إن ينابيع الخير التى أخصبت بها الحياة وازدانت.. لم تنبجس من نفوس متحجرة، بل فارت بالرى العذب من نفوس مفعمة بالكمال، فياضة بالبر والسكينة والجمال. وغيوم الشر التى لوثت الآفاق وآذت البلاد والعباد لم تنفخها أنفاس لاهثة يقطعها الإعياء والوجل، بل عصفت بها نفوس لها في الحياة فعل الأعاصير المجتاحة كانت قوتها في الخير هى السبب الأول في اندحار الشر أمامها... والنفوس التى انحصرت في أهوائها الصغيرة لا تفقه الدين، ولو فقهته ما أصلحت به شيئا فضلا عن أن تصلح هى به... ص _009