الصفحة 7 من 206

إن الحقيقة الأولى في الإسلام زكاة النفوس وسناؤها، وفقدان هذه الحقيقة فقدان الأصل الذى لا يسد مسده عوض، ولا يغنى مكانه صلاة ولا صيام ولا جهاد ولا قيام.. بل فقدان هذا الأصل يجعل العبادات التى يأتيها البعض نوعا من الفساد الملفوف، فإن النيات المدخولة والقلوب الحالكة لا يصلح معها عمل أبدا. إن الله أمر الناس أن يزكوا أنفسهم وأن يزكوا بيئتهم، ومن ثم يكون جهادهم العام في ترقية الجماعة جزءا من جهادهم الخاص في تهذيب غرائزهم وتقويم مسالكهم.. فإذا رأيت رجلا يشتغل بجهاد الناس وهو مذهول عن جهاد نفسه، فاعلم أنه خطاف يريد الاشتغال بالسلب والنهب تحت ستار الدين. إن تقوى الله عز وجل لباب الدين وسياج نظمه الدقيقة والجليلة، ورباط تعاليمه في المجتمع والدولة. ولو أفلحنا في إقامة هيكل كبير يمثل شرائع الله كلها، وتبرز فيه صور الإسلام المعهودة والمنشودة، ثم حفت بهذا الهيكل نفوس خلت من الله، وضمائر لا تحسن رقابته ما كنا بهذا كله قد أقمنا إسلاما ولا خدمنا إيمانا. ولسنا ننكر قيمة القانون في حراسة ظاهر الحياة، ولكننا ننكر أن يكون للقانون أثر يذكر في موازين الخير والأمانة والنهوض والوفاء وحسن التقدير وسلامة القصد . بل إن القوانين أعجز من أن تحاكم الإيمان والنفاق والرياء والإخلاص. وهذه لها ما لها في قيادة الجماعات إلى الغى أو الرشد.. في عصرنا هذا نظم القضاء، ورتبت محاكمه، ووزعت أعباء الدفاع والاتهام والموازنة والتمحيص على رجاله، وهيئت الفرص لتدارك الخطأ، واتسعت ضروب التقاضى فأمكنت محاكمة الدول والفرد جميعا. بيد أن هذه الوسائل العديدة لتوفير العدالة وإشاعة السكينة لا تجدى شيئا إذا التاثت النفس الإنسانية وأضلها الهوى، فإن النفوس المجرحة لا تمسك الحق إلا كما تمسك الماء الغرابيل. ولذلك يقول الله لداود- وهو نبى وحاكم: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت