الصفحة 52 من 206

وكما تلتوى العقد النفسية بسلوك الأفراد تلتوى بسلوك الجماعات والدول، فتضل بها عن سواء السبيل. ومن تتم يجب أن نوقن بأن الاستعمار لا دين له، وأنه يسلط الصليبية علينا كما يسلط الصائد القوانص والجوارح لتمسك عليه فرائس البر والجو.. على أن طول الصحبة ووحدة المأرب قد يؤلفان بين الشركاء المتشاكسين ولو كان أحدهما سيدا والأخر خادما.. ظهر ذلك جليا يوم أفاق المسلمون من غشيتهم وأخذوا يلمون شعثهم ويصلحون أمرهم.. إن الاستعمار الذى يسانده علم لا ضمير له مع حقد الموتورين وجشع الطامعين، ساق إليهم قوى الأرض كلها ليضربهم ضربة قاصمة.. وفى الحلقة الأولى من سلسلة (اخترنا لك) تصوير صادق لما عانى المسلمون والعرب من ضغط نقتطف في شرحه لك العبارات الآتية: لقد أدركت بريطانيا قبل أن يدرك أحد أن العرب على أبواب نهضة توشك أن تجمعهم صفا... وتوحدهم غاية، وتردهم إلى مكان الصدارة بين أمم العالم.. ثم قدرت ما وراء ذلك من شر يصيبها، إذ سوف تضيع مستعمراتها في آسيا وأفريقية وتنهار (الإمبراطورية) التى عاشت قرونا على الأشلاء والدماء. قدرت بريطانيا هذا كله.. فدبرت أمرها لتعوق هذه النهضة، ولتصدع وحدة العرب.. ولتشغلهم بفتنة من صنع يديها، فرمتهم بهذا السرطان اليهودى.. وغرسته في موضع الإحساس المرهف من جسم أمتهم. ذلك هو السر المختبئ وراء تلك المساعدات المتصلة التى قدمتها بريطانيا ظاهرة ومستورة إلى اليهود في كفاحهم لإنشاء دولة تؤويهم في فلسطين. فحققت بذلك لنفسها ما أرادت، حين زعمت أنها بإنشاء هذه الدولة قد شطرت البلاد العربية شطرين: شطرا في المشرق، وشطرا في المغرب، تفصل بينهما دولة إسرائيل! على أن الإنجليز لم يستطيعوا أن يستروا غرضهم ذاك من أول يوم، فهذا قائدهم (اللنبى) يقول يوم دخل القدس غازيا في أخريات الحرب العالمية الأولى: (اليوم انتهت الحروب الصليبية) ! ص _060

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت