ولسنا نكلف العلماء شططا إذا طالبناهم أن يتعرفوا إلى الله وأن يتخيروا أرشد الأديان بالمقاييس نفسها التى يستكشفون بها مجاهيل الكون، وبالمنطق نفسه الذى يقرون به القوانين ويثبتون به النظريات. إن من أغيظ الأمور عندى أن يفكر الرجل بعقل عبقرى في موضوع، وبعقل عيل في موضوع آخر . إما فحولة في الحالين وإما طفولة فيهما!! وأغلب الضلال يجىء من هذا التفاوت المثير.. ترى عالما في الذرة يشتغل صهيونيا جلفا، كما رأيت قديما المكرة المهرة- من أعداء محمد الأولين- يجادلونه في الله، وينثنون إلى أصنام تبول عليها الثعالب فيعبدونها من دونه. إننا راضون أن يحتكم العالم- المتطلع إلى دين يسد الفراغ الهائل في ربوعه- قواعد المنطق القديم والحديث وإلى وسائل المعرفة كلها. ثم ليكن بعد ذلك ما يشاء، صهيونيا، أو صليبيا، أو مسلما. نعم ليكن ما يشاء بعد أن ينزل على حكم العقل الذى احترمه في شئونه الأخرى.. إما أن يكون رجعيا بليدا في بعض شأنه وتقدميا متطرفا في بعض آخر ثم يحاول- بحكم ما أوتى من قوى مفاجئة- أن يلزمنا بالأمرين معا، فذلك ما نأباه ونقاومه..!! على أنك قد علمت أن الاستعمار الغربى قد صاحب الصليبية القديمة على دخل. فهو يمكن بها لنفسه ولا يمكن لها من نفسه. وحركة الإحياء التى اهتزت بها أوربا وأخصبت وبلغت في عصرنا هذا شأوا بعيدا، لن تنسى صراعها القديم المرير مع الكنيسة! ولذلك يغلب التشاؤم في عودة أوربا إلى دين! إن تجاربها المحفورة في تاريخها أشبه بالذكريات المؤذية.. بغضت لديها الأديان جملة !. ص _059