الصفحة 49 من 206

ولكن كيف حدث ذلك؟ الواقع أن الحياة العقلية الاجتماعية في أوربا وأمريكا أبعد ما تكون عن وصايا عيسى بن مريم، بل هى في أصولها وفروعها مبتوتة الصلة بروح الإنجيل ونصوصه . والتطور الإنسانى هناك قائم على غرائز الإنسان ومواهبه جميعا، خيرها وشرها. وعندما صحا الإنسان الحديث من غفوته ونظر إلى مفاتيح الكون التى وضعها العلم في يده جاشت في دمه نوازع الغلب ودوافع الأثرة ورأى نفسه عملاقا بين أقزام فلم لا يسود ويقود؟ ولم لا يحرك ويوجه؟ ونظر هذا الإنسان إلى الصليبية المهزومة في مواطنها أمام طلائع المعرفة المظفرة والكشوف الباهرة، ثم منحها حق الحياة وأمرها أن تتبعه. فتبعتة صاغرة، ورنت إليه شاكرة.. وقررت أن تسير في ركابه وأن تسارع في هواه.. فصحبها على دخل، وسخرها حيث شاء، بحيث لا تنال من القوة إلا قدر ما تدور به في النطاق الذى يرسمه فحسب.. ثم انطلق هذا الإنسان الحديث إلى ربوع الشرق، ومن ورائه تلك الذيول والطبول.. فوقع ما لم يكن منه بد، تحرك المسلمون من رقودهم وثارت مشاعرهم وأفكارهم كلها، في لقاء هذا الفاتح القوى. وتفرسوا فيمن يظاهره سخائم القرون الوسطى، فأحسوا الخطر على كيانهم.. وتيقظت فيهم غرائز النجاة وشرعوا يدفعون عن أنفسهم وبلادهم وعقائدهم.. وفى الصراع القائم بين دين الله من ناحية وبين هذا الزحف المزدوج من ناحية أخرى أريد أن أنبه، وأن أحذر، رجاء أن لا يضيع الحق وسط ضجيج الخصومة الناشبة بين الغالب والمغلوب.. إن العالم محق في احترامه للعلم وإكباره للعقل واحتفائه بالثمرات اليانعة التى انتهى بها التطور الحديث. وهو محق في دفاعه عن أساليب الحياة التى أتاحت للعلم اطراد التقدم، ونحن- باسم الإسلام- نرفض كل تغيير يحجر على حركة العقل أو يحد من نشاط العلم. ونؤيد المتوجسين فيما يتخذونه من حيطة، ضد كل محاولة من هذا القبيل.. ص _057

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت