هذه الردة- في نظر المغفل المفتون بفرنسا- أدل على التقدم وأدنى إلى التحضر من ضروب التعليم الأخرى. ولذلك فهو بها راض وإليها مستريح!!. الحق أن الغزو الأوروبى الحديث أفلح أيما فلاح في التمكين لنفسه بيننا منذ حول هزيمتنا العسكرية إلى كفران مطلق بما لدينا، وإيمان مطلق بما لديه. دون تمييز بين ما يحمل من طيب وخبيث وبين ما ورثنا من حق وباطل.. وهذه هى المشكلة.. وعلى العقلاء أن يفرقوا بين عدة نزعات متباينة.. هناك الصليبية التى تجر وراءها عقائد أمة وثارات تاريخ طويل.. وتلتزم نهجا ثابتا في معاملة الأديان والشعوب الأخرى.. وهناك الحضارة العلمانية الجديدة، وهى نهضة انبجست ينابيعها من العقل المجرد والفكر الحر، ولا تزال تكتشف وتنتج في كل ميدان، غير مستعينة في مغامراتها بدين ، ولا مستهدية بنص.. ثم هناك هذا الإسلام الذى نقرأ كتابه ونتدارس تعاليمه ونحاول جاهدين دفع العدوان عنه لتبقى رسالته على الحياة متألقة بالحق والخير! وقد تسأل: ممن هذا العدوان المرهوب؟ وما مثاره؟ أهو من رجال العلم المتجردين له، أو من سدنة الحضارة الحراص على اطراد مسيرها وإيتاء ثمارها؟. ونجيب مسرعين: كلا... فما بين الإسلام والعلم من خصومة، وإذا كانت الحضارة الحديثة محنقة من حيف وقع على روادها القدامى، فإن رجال الكنيسة وحدهم، هم الذين يحملون أوزاره ويتلقون عاره. ولعل تأذى العلماء والمفكرين من موقف الكنيسة القديم ضدهم هو الذى جعلهم يعافون الأديان كلها، ويوجلون من كل سلطان يحصل عليه رجالها.. إذ هو- في نظرهم- سلطان يدعم الجمود ويهدد الحياة أن تعود القهقرى..!! من أين يجىء العدوان إذن؟ يجىء من الاستعمار الغربى الذى جمع في قرن بين الحضارة العلمية والضغائن الصليبية، أى جمع بين الأضداد ثم انطلق في أقطار الأرض ليذل العباد ويخرب البلاد..!! ص _056