أقول هذا عقب قراءتى لكتاب (وعاظ السلاطين) الذى ألفه الدكتور على الوردى. فإنه أشبعنى فهما وروى عطشى إلى الحقائق، وخلاصة الكتاب أن ما نعرفه أو نظن أننا نعرفه عن تاريخ العراق إن هو إلا وهم وزيف، وأن الخلفاء العباسيين لا يختلفون عن الخلفاء العثمانيين في حياة الفسق التى عاشوها، والمظالم التى أوقعوها بالشعوب . هو يذكر لنا أن المتوكل العباسى كان يملك أربعة آلاف جارية، وكان الخليفة الفاطمى يملك عشرة آلاف جارية وخادمة.. وكان عند أخته (ست الملك) ثمانية آلاف جارية منها ألف وخمسمائة من الأبكار... وكان عند الرشيد ألفان من الجوارى.. وطرب ذات ليلة فنثر على الحضور ستة ملايين درهم.. وكل هذا كان الرشيد يأخذه من أموال الدولة. ولا يبالى بعد ذلك أن يذهب إلى الواعظين يستمع إليهم، ويبكى بين أيديهم. كلمات كأنها كى النار. ولابد أنها ستوقظ النائمين الذين خدرتهم كتب المؤرخين الزائفة والذين لم يسألوا أنفسهم قط: من أين جاء هذا الخليفة بهذه الأموال؟ نحن في حاجة إلى عشرات من المؤلفين أمثال خالد محمد خالد، وعلى الوردى! واستتلى سلامة موسى فكتب بالعدد نفسه تحت عنوان (قبل مائة سنة) يندد بعهد الخلافة، ويوغر عليه- وحده- حفائظ المصريين، حتى لا يذكروه إلا ساخطين. قال: في مثل هذا الشهر- قبل مائة سنة- كان شبان من مصر فلاحون ومدنيون، من طنطا ودمنهور والمنيا وسائر المدن والقرى يلقى القبض عليهم ثم يحمل كل منهم بندقية ويساق إلى الباخرة أو السفينة الحربية في الإسكندرية، فتقلع بهم إلى حيث لا يعرفون. ثم ترسو الباخرة أو السفينة في ساحل القرم عند (سباستبول) التى أخبرنا (تولستوى) أنه حارب فيها. ويطلب من شبابنا الفلاحين والمدنيين أن يقاتلوا الروس حتى يمنعوهم من الدخول في البحر المتوسط، ومن الاستيلاء على الدردنيل. ويقاتل هؤلاء الشبان المصريون وهم يجهلون دلالة هذا القتال. ص _050