وقد حذر الله المؤمنين من مسلك الكهان الذين عرف الدين في سمائهم البارزة ولم يعرف في شمائلهم وأفعالهم فقال (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله... ) . فالشيمة الأولى في الداعية، التجرد والإخلاص... والشيمة الأخرى الدلالة على الله بحاله ومقاله... فإذا فقد الأولى، بأن أغرته المنافع العاجلة فأقبل على أموال الناس يغتالها وإذا فقد الأخرى، بأن هبت من سيرته رياح تنفر منه وتبغض الناس فيه وفيما جاء به، فهو كاهن خطر، يدل على الدين بلقبه ووظيفته ويصد عنه بعمله وطبيعته!! وأولئك هم الذين كلف إمام المرسلين بمجافاتهم وترهيب الجماهير من اتباعهم كما كلف المسلمون في كل عصر بالبعد عنهم، لأن الإسلام غريب عن هذه الإلتواءات النفسية كلها . إنه طهر في العقل والقلب، ونور في الخلق والسلوك. واصطلاح مع الفطرة، واستقامة مع العدالة والنزاهة... وقد فرضت طبيعة الإسلام نفسها على تاريخه الطويل، فلم تظهر بأرضه طبقات للكهانة، ولا مجامع للمحترفين الذين يصنعون من ذواتهم همزة وصل بين الأرض والسماء... ولكن لما كانت الكهانة طبيعة في بعض النفوس التى تجيد المداهنة والمداورة فإن شئون الدعوة والدولة معا، لم تبرأ من رجال يخلطون نيات الجهاد بأعمال السوء، ويعملون لأنفسهم وهم يزعمون أنهم يعملون لله. وليست هذه هي الساعة التى ننهى فيها حسابنا مع هؤلاء، بل نحن في هذه الكلمة نحاسب قوما آخرين!! ذلك أن بعض الكتاب الحاقدين على الإسلام اهتبل الفرصة السانحة، فرصة الوهن الذى أصاب دعاة الإسلام في هذه الأيام- على ما توهم- فشرع يكيد للدين نفسه، وينال من حكمه السابق واللاحق، وتاريخه القريب والبعيد... ص _048