الدعوة إلى الله يرجون فيه العوض الذى فقدوه. فتحول الميدان الطهور بهم إلى مضمار يتهارش فيه فرسان الكلام وطلاب الظهور وعشاق الرياسة. وانتقلت موازين الحياة الدنيا وتقاليدها ومؤامراتها وأساليبها تبعا لذلك إلى ميدان الدعوة فماذا تنتظر من هذا الخلط إلا أن تقع فتنة في الأرض وفساد كبير؟ لقد خلصت من تجارب هذه الأيام التى مرت بى إلى أن العمل للإسلام لا يقبل إلا ممن يعمل به. وأن الذين يفشلون في إقامة أمر الله بينهم أعجز من أن يقيموه بين الناس؟ وأن الله لا يمكن لأمة باسمه إلا إذا نضجت في هذه الأمة عناصر الخير وربت منابع البر، حتى إذا ملكت نضحت على العالمين من طبيعتها العالية، فأشاعت الرحمة والعدل، وعلمت الطاعة والتقوى، وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر! وذلك مصداق قوله سبحانه (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) . إن الإيمان الصحيح يجعل نفس المسلم تستجيب لدواعى الخير المختلفة كلما أهابت بها. فهو في السلم والحرب، في الصحة والمرض، في الأمن والروع، في الخصب والجدب، في كل حال يقدرها الله له، يواجهها بما يفرض اليقين عليه، لا ينكص ولا يزيغ...! يصبر في الضراء ويشكر في السراء، ويكرم عند النفقة ويقدم عند الروع، ويقيم الفرائض الموقوتة ويهجر المعاصى المحرمة، ويبغض المبطلين ويشغب على ضلالهم، ويحب المصلحين ويشد أزرهم..! ذاك شأن المسلم. إن الخضوع لأمر الله والمبادرة إلى إنفاذه استعداد كامن دائم فيه. (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) . وقد تلت هذه الآية آيات أخرى تفصل حقيقة الطاعة المطلوبة، وتبين أن مشاعر الخضوع لله، المستكنة في نفس المسلم، موصولة لا تنقطع، متماسكة لا تنفصم. وأن الزعم المجرد عن العمل لا قيمة له في حقيقة التقوى. ص _007