الصفحة 32 من 206

كنت بعيدا عن أسرتى. فكلما أقبل ولد من بعيد تفرست فيه ملامح أولادى، وكلما انتحب طفل على ذراع أمه التى أنحفها الفقر الدائم وجف فؤادى. وقد أقارن بين أولئك اللاجئين الحيارى وبين أهل الإسكندرية عندما فروا من الغارات في الحرب الأخيرة فخرج النساء والأولاد والرجال يطلبون النجاة في المدائن والقرى من الرجوم المهلكة التى تهددت مدينتهم. لكن الفرق بعيد ، إن أهل الإسكندرية وجدوا إخوانهم في أنحاء الوادى يخففون روعهم ويسكنون جأشهم. أما أولئك اللاجئون فهم محبوسون في مخيماتهم لا يدرون ما يأتى به الغد. فرب رجل جثا بعد مهابة، وأم تبذلت بعد احتشام. أما الأجيال النابتة في هذا التيه المائج فإن الخطة المرسومة لها أن تنمو وليس لها صلة بأرض ولا ثقة بأهل، ولا رضا في حاضر، ولا أمل في مستقبل، وهل يدع سعار الحرمان فسحة في قلب أو فسحة من وقت لشىء من هذا.. إننى لا أعجب لشىء عجبى لأن اللاجئين بقوا إلى اليوم أحياء مع أن الاستعمار الغربى هيأ كل شىء للإجهاز عليهم وإسلامهم لموت محقق.. وما عقبى التحسر وما جدواه؟؟ وإن اليهود ماضون في إعدادهم الرتيب القوى للجولة المرتقبة، وسوف يدفعون فرقهم يوما ما تنازلنا في موقف حاسم، وليس أمامنا إلا أن نلقاهم، فإما كشفنا السواد الذى صبغ وجوهنا بالعار، وإلا فبطن الأرض خير لنا من ظهرها.. والدول العربية التى تحدق بإسرائيل لن يعجزها أن تحمى ذمارها، وأن ترد الغزو الصهيونى من حيث جاء.. بل إن دولة واحدة فحسب من دول العرب الكثيرة يجب أن تضطلع بهذا العبء واليهود في البقعة التى احتلوها لن يزيدوا عن مليونى نفس فهم لا يضاهون أقل دولة عربية من حيث العدد!! إلا إذا اعترفنا في صراحة أن الجنس الإنسانى قد انحدر في دمائنا وخصائصنا، إلى هاوية لا تغنى معها كثرة العدد واتساع الرقعة، وقرب الوسائل، وإمكان النجاح.. ومن الصدف العجيبة أن يقع في يدى مقال رائع صادق كتبه الأستاذ (أحمد رمزى) قبل معارك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت