وحسم الموقف ليستأنف خدمة أمته ورعاية شئونها.. ونزح يهودى من ألمانيا إلى فلسطين في أثناء اضطهاد (هتلر) لقومه، وكان الرجل ذا ثروة كبيرة، تركها خلفه وهو هارب. فلما تغيرت حكومة ألمانيا، وعوض اليهود عما فقدوا، أرسلت لليهودى النازح أمواله، وكان آنئذ فقيرا يشتغل خفيرا في إحدى المستعمرات . فقال له عربى يعرفه: إن الثراء هبط عليك فجأة، فهل ستشترى المستعمرة كلها لتصبح مالكا لها. فقال اليهودى الخفير: ما أفعل بالمال لنفسى! إن أولادى يتعلمون بالمجان في المدرسة، وقد كبرت سنى! فسأهب هذا المال كله لشئون المستعمرة العامة، ولن أطلب من المسئولين إلا أن يغيروا الكلب الذى يساعدنى في الحراسة فقد ضعف بصره...!! أرأيت إلى ما تحلى به هؤلاء الناس من إيثار وإخلاص؟ ثم أرأيت إلى ما تخلينا نحن عنه من فضائل الكفاح وأدواته؟ من أجل أى شىء ينصر الله الجهل على العلم والفوضى على النظام؟؟ لقد جند الإخوان المسلمون أحسن من تصدى لقتال اليهود والدفاع عن الأرض المقدسة. ومع ذلك فلن أنسى أبدا تفاصيل أول معركة دارت بين شباب الإخوان ومستعمرات (ديروم) وهى المعركة التى فقدوا فيها اثنى عشر شهيدا من خيرة أهل الأرض إيمانا وشجاعة، ولم تفقد فيها المستعمرة الصهيونية إلا الرصاصات القاتلة..!! ولم؟ لقد رسم خطة الهجوم طفل كبير، لا يدرى من فنون القتال إلا قراءة الأوراد وإطلاق المسدسات فكان ما كان!! يا عجبا! تعوزنا أخلاق البذل والإقدام، فإن وجدناها فقدنا مواهب القيادة الصحيحة! لقد أسمينا مقاتلى اليهود رجال العصابات، وكلمة عصابة تعنى نفرا من اللصوص يشتغلون بالسلب والنهب، يسطون على الآمنين، ويتحينون الفرص للغدر والفرار.. فهى على النقيض من كلمة حكومة التى ترمز إلى رياسة محترمة وإدارة نابهة ونظام واضح!! ص _033