ونعدو الأداة الحكومية إلى غيرها من نواحى مجتمعنا الأخرى، فيروعك في القرية وفى المدينة جميعا أن المسلمين صرعى تقاليد بالية وأفكار مريضة. فالغباوة في فهم القدر كسرت الهمم وأقعدت الآمال. والغباوة في فهم التوكل أشاعت الفوضى وأغرت بالكسل. ولما كانت الغرائز الدنيا أقوى من أن تكفها الأخطاء السائدة في فهم الحياة فقد انطلقت تخط لنفسها مجالا بدائيا يسًر ارتكاب الجرائم واقتراب الدنايا حتى بلغ عدد الجنايات عندنا حدا مروعا. وإنك ـ للنظرة الأولى ـ تلمح الانهيار والتفكك الغالبين على النفوس مع أن ذلك ـ في حكم القرآن ـ من إمارات الكفران والبعد عن الله (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) . وقد اضطررت- وأنا أعظ الناس أحيانا- أن أنقى القدر الذى يرادف في أذهانهم الجبر. وأن أنفى التوكل الذى يعنى في أفهامهم السكوت. وأن أنفى الرجاء الذى يجعلهم يتوقعون رحمة الله بغير عمل، ونصره بغير جهاد.. إن تأخرنا الاجتماعى يجب أن ينتهى على عجل، وإنى أسوق هنا قصصا عرفته من تجوالى جنوبى فلسطين عقب محنتها الأخيرة ليقارن العقلاء بين أحوال اليهود وأحوالنا!. وليعرفوا سر انتصارهم وخذلاننا.. قال لى أحد رؤساء العشائر: خرب الدولاب الذى يستخرج الماء من البئر في حقلنا. فذهبت إلى الإخصائى اليهودى في المستعمرة القريبة كيما يأتى لإصلاحه! وبكرت إليه أتعجله فإذا هو يقوم بأعمال موكولة إليه في المستعمرة، فوقفت أحادثه وأتبسط معه وناولته (سيجارة) ! فأخذها ووضعها على أذنه ثم قال: إن الوقت إلى الساعة الثانية بعد الظهيرة من حق المستعمرة فلا أحب أن أشغله بشىء. وعندما أنتهى منه أذهب إليك مساء...! ص _032