بمقدار ما تنطوى عليه من خير، وما يهين أخرى إلا بمقدار ما تسلف من إثم (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون * ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون) . ومدخل الشر إلى نفوس الأفراد والجماعات هو سوء الظن بالله، أعنى الظن بأن الله يخفض ويرفع دون حكمة باعثة على الخفض والرفع. وهذا ضلال كبير. عندما يتوهم الطائر أنه يحلق من ذاته لا من جناحيه فيخلعهما عنه فسوف يبقى في مكانه لا يريم، ولن يرتفع عن الأرض قيد أنملة. وقد حدث الله عن موسى فأبان أنه وهبه الحكم والعلم بعد ما اكتملت قواه ونضجت ملكاته . (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) فكان إحسان موسى هو الذى رشحه لهذا الإكرام الأعلى. أفتراه ينال شيئا من ذلك لو بدا عجزه وظهرت فجاجته؟ وقال الله عز وجل مبينا سنته في قيادة الأرض ووراثة خيرها: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين) فهل يعنى ذلك إلا أن وراثة الأرض هى من حظوظ الصالحين وحدهم، وأن الذين فسدت عقولهم بالجهل وفسدت قلوبهم بالهوى لن يمكن لهم أدنى تمكين في شبر ضيق من أقطار العالمين!! والمحزن في تاريخ الأفراد والجماعات أن العصاميين يظلون معتزين بفضائل الكفاح والعمل صاعدين إلى القمة بأساليب التقدير الصادق والتفكير السليم حتى إذا استقروا، تغير المنطق القديم! فإذا هم يكرمون المناصب والأنساب ولو كانت إلى جانب الصم البكم الذين لا يعقلون..!! ولقد نسى اليهود نشأتهم الأولى والأحوال التى نالوا بها رضوان الله. وحسبوا أنهم لو تغيروا فلن يغير الله ما بهم، فكان من عقباهم ما رأيت.. ص _022