وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خبيرا بطبائع الأمم وأسرار المجتمعات يوم اخترق أسداف الغيب، ثم تصور أن أمته قد يعتريها ما اعترى غيرها فقال- منفرا محذرا-"ليأتين على أمتى ما أتى على بنى إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى لو كان فيهم من أتى أمه علانية لكان فيهم من يصنع ذلك..". وقال:"لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم! قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟؟..". فهل درنا في الدوامة نفسها التى أغرقت الأولين؟ إن تمثال الخلافة الإسلامية في الآستانة سقط، أما الأمة نفسها فهى- من قبل ومن بعد- قد قطَعت أمما يتنادى اللئام على أكلها، فإذا فتحت عينيك على مصير المسلمين الكالح لم تلبث أن تغمضهما على القذى! فكيف كان ذلك؟ .. 2 .. هل يدرى الخمور ما يصنع عندما يفقد وعيه وتترنح خطاه ذات اليمين وذات الشمال؟ لا. إن صوابه الضائع يخيل إليه الأمور معكوسة.. فقد يغنى ويضحك حيث يجب عليه أن يبكى ويحزن!! ولكن الذين يرقبونه عن قرب أو بعد يعرفون ما يقع منه، ويبنون أحكاما على مسلكه أدنى إلى الحق من أحكام هذا السكران على نفسه ومن تصوره لما يفعل ويترك.. وحال المسلمين- من قرون- قريبة المشابه من حال هذا المخبول الذى دارت العقار برأسه. فقد انطفأت مصابيح الإسلام بأيديهم، وأمسوا يسيرون بلا خطة، ويحكمون بلا شرعة، ويفكرون بلا عقل، فلو قست مسافة ما بينهم وبين الرسالة التى آلت إليهم لكانت بعد ما بين المشرقين! كانوا في عالمهم الحالم لا يدركون ما انتهوا إليه من ضعف في أفكارهم وفى أعمالهم وفى وسائلهم وفى معايشهم. ولكن أعداءهم الأيقاظ لم يغفلوا عن هذا المصير، فوقفوا يتربصون به ومعهم المعاول التى يحفرون بها قبره... ص _023