هذا كله يجتث أصول الخير ويستعجل نقمة الملك الأعلى.
لقد ذكر القرآن بنى إسرائيل في آيات شتى فأبان أنهم بلغوا من منازل الفضل ومعارج الارتقاء ما سبقوا به أهل الأرض قاطبة، وانظر إلى قوله تعالى: (ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين * من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين * ولقد اخترناهم على علم على العالمين) .
ص _017
أى أن الله اصطفاهم لا عن محاباة بل عن عدالة وحكمة، فلولا أن الشعوب الأخرى في زمانهم كانت أبخس حظا في المعرفة والقدرة ما حملهم القدر رسالة ولا آتاهم من الآيات ما آتاهم: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين * وآتيناهم بينات من الأمر) . وإن الإنسان لينظر إلى اليهود أيام محنتهم فيرى بقايا الاختيار القديم لائحة في سيطرتهم- وهم قلة- على أموال العالم، واستمرار عنصرهم يغالب الحياة، ويتشبث بها برغم سياسة الاستئصال المنظم التى اتبعها العالم حيالهم.. وإن القرآن الكريم ليذكر هؤلاء اليهود بأمجادهم الأولى ويذكرهم بإمكان العودة إليها لو اطَرحوا الغدرات والأباطيل فيقول: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) . ثم يقول: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين) . ما الذى جعل أمور هذه الأمة تنقلب رأسا على عقب؟ ما الذى جعلها بعد أن كانت النبوات تزحم ديارها وأنوار السماء تخط طريقها وبركات الله تنهمر فوقها وتحتها وتتحول إلى أمة أخرى تحذرها شعوب الأرض وتتربص بها الدوائر وتتواصى بالنيل منها والكيد لها؟ ذلك أن بنى إسرائيل ظنوا إكرام الله حقا مكتسبا لهم بحكم الجنس فهو مقرون بهم لا محالة مهما صنعوا.. أجل لقد ظنوا إيثار الله لهم ضربة لازب كما يؤثر الرجل بنيه عن غريزة غالبة وعاطفة دافعة.. ثم تأدى بهم هذا الظن إلى التفريط والتكاسل، بل إلى الحيف والتحامل فأمسوا