و السادسة هي ما رواه الأخباري الحسين بن القاسم الكوكبي المتهم بالكذب ، من أن هارون الرشيد حج و معه إبراهيم الجرجاني ، فلما دخلا المدينة وجد الجرجاني داخل المسجد النبوي رجلين أحدهما يغني ، فأنكر عليه فعله ، فرد عليه أحدهما بقوله: نحن في روضة من رياض الجنة ، و في الجنة ما تشتهي الأنفس . فقال له الجرجاني: (( سوءة لك من شيخ ) )، فقال الرجل: (( أنا أعلم بالله و رسوله منك ) )، فتركهما الجرجاني و دخل على الرشيد و أخبره بما رأى في المسجد ، فأستدعى الرشيد الرجلين ، فكان أحدهما فقيه مكة أبو الوليد بن جريج ، فكلّمه الرشيد و حاوره ، فحدّثه بقصة عجيبة لم يرويها ابن حجر في لسان الميزان ، و اكتفى بالاشارة إليها ، لكنه نبهنا إلى أن هذه الرواية التي رواها الحسين الكواكبي ، بعيدة عن الصحة و يشهد على بطلانها أن ابن جريج المذكور في القصة ، كان قد مات قبل أن يلي المهدي- والد الرشيد -الخلافة (1) . و ذلك أن ابن جريج تَوفي سنة 150ه ،و الرشيد تولى الخلافة بعد وفاة أخيه الهادي سنة 170 ه ، فبين ابن جريج و الرشيد عشرون سنة ، و هذا دليل دامغ على أن الرواية مكذوبة افتراها الحسين الكوكبي .
و آخرها حكاية وضعها الصوفي علي بن الحسين الطرسوسي ، على الإمام احمد بن حنبل (ت242ه) ، و مفادها أنه قيل لأحمد: إن هؤلاء الصوفية جلوس في المساجد بغير عمل ، فقال: هل أجلسهم العلم ؟ قيل له: همتهم كسرة و ِخرقة - لباس الصوفية - ، فقال احمد: لا أعلم عزا ممن هذا صفتهم ، فقيل له: إنهم إذا سمعوا السّماع - الغناء - يقومون فيرقصون ، قال: دعهم ساعة يفرحون بربهم . هذه الحكاية وضعها علي الطرسوسي ، ليَظهر أن احمد بن حنبل كان راضيا على الصوفية ، و أنه حسّن أحوالهم (2) .
(1) ابن حجر: المصدر السابق ، ج2 ص: 309 .
(2) نفس المصدر ، ج4 ص: 220 .