قال السفاحُ لأَبي دُلامَة: سَلْني حاجَتَك، قال: كلبُ صيدٍ، قال: أعطوه، قال: وغلامٌ يقود الكلبَ ويصيدُ به، قال: أعطوه غُلامًا، قال: وجارية تُصلحُ لنا الصيدَ وتُطْعمنا منه، قال: أعطوه جاريةً، قال: هؤلاء يا أميرَ المؤمنين عيالٌ ولا بُدَّ لهم من دار يسكنونها، قال: أعطوه دارًا تجمعهم، قال: وإِنْ لم تكن ضيعةٌ فمِن أين يعيشون؟ قال: قد أقطعتُك مئةَ جَريبٍ عامرةً ومئةَ جريبٍ غامرة، قال: وما الغامرة؟ قال: ما لا نباتَ به، قال: قد أَقطعتُك يا أميرَ المؤمنين خمس مئة جريبٍ غامرة من فيافي بني أسدٍ، فضحك وقال: اجعلوها كلَّها عامرةً، قال: فائذن لي أن أُقَبِّلَ يدَك، قال: أمَّا هذه فَدَعْها فإنِّي لا أفعلُ، قال: واللَّهِ ما منعتني شيئًا أقلَّ ضررًا على عيالي منها» ( [23] ) .
فمذهب هؤلاء العاملين بـ (تربية السياسة) لإقامة الدين قائمة على اختلال المنطق، وفساد القياس، وغياب الأصول!
إنَّنا نعدّ ضعف النتائج من أعمال (الأحزاب) و (التجمعات) آتيًا من الغفلة -أو التغافل- عن هذه الأصول، ومن إهمالهم للتربية الإيمانية، وإقامة الربانية، وتحقيق الولاية الشرعية.
* فجيعة:
لقد وصل هذا الداء لبعض أبناء الدعوة الحقَّة -الدعوة السلفية-، ولا سيما عند انتشارها، وكثرة أبنائها، ولا سيما ذاك الصنف المتهوِّر، الذين لم يعرفوا العلماء، ولم يخالطوهم، ولم يجثوا على الركب بين أيديهم، فراحوا ينفردون في المواقف، سواء من الأشخاص أو الأحداث، دون علم ولا فهم، ولا تجربة، ولا عقل، ولا حلم، دون تقدير للمواقف والآثار المترتبة عليها؛ حتَّى أخرجت العلماء من مقام التلطف في النصيحة لبعضهم إلى مقام الإيجاع في التنديد!!