إنَّ مصطلح (السياسة) لا يحمد بإطلاق، ولا يُذم بإطلاق.
ومَن أطلق (ذمَّه) نظر إلى تسفّله لا إلى علوِّه، وإلى تبذّله لا إلى سمّوه، ويوشك هذا اللفظ -بسوء تصريف الاستعمال له- أن يصبح بلا معناه الذي رسم له، بل بلا معنىً؛ كالألفاظ المهملة، وكما يجازف إعلام الغرب -اليوم، وقبل اليوم- بكلمة (الإرهاب) ( [19] ) ، يرمي بها من غير هدف!! ويَسِمُ بها من هبَّ ودبَّ، فكان من آثار ذلك أن نبَّه الناس إلى عداوتهم للإسلام، وفتح لبعضهم -بما يُردد من لفظها، وبما يُبدع من أسبابها- أبوابًا وطرائق، كذلك جازف بكلمة (السياسة) ، يرمي بها المصلحين!
* المصلحون والسياسة:
فهذه اللفظة (مظلومة) بتبرء المصلحين منها، وهي دونهم ( [20] ) تبقى ذليلة مهينة مجردة من جلالها وسمّوها؛ فإنَّ أعلى معانيها -كما رأينا- تدابير الممالك بالقانون والنظام، وحياطة الشعوب بالإنصاف والإحسان، ولكنها تدنَّتْ فنزلت -ولا قوَّة إلا باللَّه- إلى معنى التحيل على الضعيف ليؤكل، وقتل مقوّماته ليهضم، والكيد للمستيقظ حتى ينام، والهَدْهدةِ للنائم حتى لا يستيقظ.
* علماء السلفيين والسياسة:
هذا المعنى الأخير هو المذموم، وهو المنفي عند أعلام السلفيين من العلماء والمصلحين، وأطلق واحد ( [21] ) منهم -على هذا المنفي- مقولةً اشتهرت عنه غاية، أَلاَ وهي: (من السياسة ترك السياسة) ( [22] ) .
ذلك؛ لأنَّ لسان حاله ومقاله كان ينادي بتحرير العقول من الأوهام والضلالات في الدين والدنيا، وتحرير النفوس من تَأْلِيهِ الأهواء والرجال، وأنَّ تحرير العقول لأساس لتحرير الأبدان، وأصل له، ومحال أن يتحرر بدن يحمل عقلًا (عبدًا) ! ولا يتحقق هذا التحرير إلاَّ بالتصفية والتربية؛ فمن السياسة الانشغال بالحقيقة والجوهر، وكان هذا هو هَمُّ ذلك القائل وشغله الشاغل، وكأنه كان يقول: