الصفحة 9 من 25

ونحن نُسمِّيها سياسة تبعًا لمصطلحهم»!

فكمال الشريعة ومحاسنها في حقيقتها ولُبِّها ومعانيها، وجعل السياسة مقابل الشريعة، والنظر إليهما على أنهما نوعان مُتقابلان، وقسيمان مختلفان، ظلمٌ لكليهما.

وقد ردَّ شيخُ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه اللَّهُ- على هذا الخطأ والغلط! وبيَّن منشأ هذا المذهب الشطط! حيث قال في «مجموع الفتاوى» (20/391-392) ما نصُّه:

«يوجد في كثير من خطاب بعض أتباع الكوفيين، وفي تصانيفهم، إذا احتجَّ عليهم مُحتجٌّ بِمَن قتلَهُ النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أو أمر بقتله؛ كقتله اليهودي الذي رضَّ رأس الجارية، وكإهداره لدمِ السَّابَّةِ التي سَبَّتْهُ -وكانت معاهدة-، وكأمره بقتل اللوطي -ونحو ذلك-؛ قالوا: هذا يعمله سياسةً!

فيقال لهم: هذه السياسة؛ إنْ قلتم: هي مشروعة لنا؛ فهي حقٌّ، وهي سياسة شرعية.

وإن قلتم: ليست مشروعة لنا؛ فهذه مخالفة للسنة.

ثم قول القائل -بعد هذا-: سياسة؛ إمَّا أَنْ يريد أنَّ الناسَ يساسون بشريعة الإسلام، أم هذه السياسة من غير شريعة الإسلام.

فإِنْ قيل بالأول؛ فذلك من الدين، وإِنْ قيل بالثاني؛ فهو الخطأ!

ولكن منشأ هذا الخطأ: أنَّ مذهب الكوفيين فيه تقصير عن معرفة سياسة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وسياسة خلفائه الراشدين.

وقد ثبت في «الصحيح» عنه أنَّه قال: «إنَّ بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء» ( [18] ) » انتهى.

مع الاعتراف والإقرار بأنَّ الفراق بينهما، أعني: الشريعة -عقيدةً وعملًا- والسياسة -تنظيرًا وتطبيقًا- واقعٌ من غير دافع، منذ زمن العباسيين، واتسع هذا الفرق بِمُضِيِّ الزمن، حتَّى ظهرا في هذه الآونة على أنهما متقابلان؛ لا صلة للشريعة بالسياسة، ولا للسياسة بالشريعة! ولا قوَّة إلاَّ باللَّهِ.

وحقٌّ لنا -بعد هذا كلِّه- أَنْ نتساءل: هل اصطلاح (السياسة) محمود أم مذموم؟

ونجيب على هذا بقولنا:

* المحمود والمذموم من السياسة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت