الصفحة 16 من 32

ولهذا جمع الله بين هذين الأمرين _كون الإنسان مخيرًا باعتبار ومسيرًا باعتبار _كما في قوله _تعالى_: [لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ[28] وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [29] التكوير.

فأثبت _عز وجل_ أن للعبد مشيئة، وبيَّن أن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله، واقعة بها.

وكذلك الرسول"كما في قوله: =ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار+."

قالوا: يا رسول الله: فَلِمَ نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال: =لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له+.

فهذا الحديث دليل لما سبق، فهو يدل على أن الإنسان مخير؛ لقول"=اعملوا+ وعلى أنه لا يخرج في تخييره عن قدر الله؛ لقوله: =فكل ميسر لما خلق له+."

هذا مقتضى أدلة الشرع والواقع في هذه المسألة.

فلعل في هذا التقرير إجابة شافية، وجمعًا بين النصوص في هذه المسألة.

والجواب عن هذا الإشكال يسير بحمد الله، وقبل الدخول في ثنايا الإجابة لابد من تبيان مسألة مهمة، ألا وهي: أنه لا يمكن أن يتعارض صريح القرآن الكريم مع الواقع أبدًا، وأنه إذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة له، وإما أن يكون القرآن الكريم غير صريح في معارضته؛ لأن صريح القرآن الكريم، وحقيقة الواقع كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيين أبدًا.

وهذا ما قرره العلماء في القديم والحديث، بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية × بنى كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) على هذه القاعدة.

ولقد صرح بذلك كثير من الكتاب الغربيين المنصفين، ومنهم الكاتب الفرنسي (موريس بوكاي) كما في كتابه (التوراة والإنجيل والقرآن والعلم) ؛ حيث بين في هذا الكتاب أن التوراة المحرَّفة، والإنجيل المحرَّف الموجودين اليوم يتعارضان مع الحقائق العلمية، في الوقت الذي سجل فيه هذا الكاتب شهادات تَفوُّق للقرآن الكريم سبق بها القرآنُ العلمَ الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت