ومن هنا يتبين لنا وجه الخطأ في هذا الجواب؛ فلو كان الإنسان مُسَيَّرًا بإطلاق لما كان له قدرةٌ ومشيئةٌ، ولو كان مخيرًا بإطلاق لفعل كل ما شاءه؛ فمن قال بالتسيير بإطلاق فهو ألصق بمذهب الجبرية الذين قالوا إنَّ العبد مجبور على فعله، وأنكروا أن يكون له قدرة ومشيئة وفعل.
ومن قال بالتخيير بإطلاق فهو ألصق بمذهب القدرية النفاة الذين قالوا: بأن الأمر أُنُفٌ، وأن العبد هو خالق فعله، وأنه مستقل بالإرادة والفعل.
فما الجواب _إذًا_ عن هذا السؤال؟ وما المخرج من هذا الإشكال؟
الجواب: أن الحق وسط بين القولين، وهدى بين هاتين الضلالتين؛ فيقال _وبالله التوفيق_: إن الإنسان مخيَّر باعتبار، ومسيَّر باعتبار؛ فهو مخير باعتبار أن له مشيئةً يختار بها، وقدرة يفعل بها؛ لقوله _تعالى_ [فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ] الكهف: 29، وقوله: [وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ] البلد: 10، وقوله: [فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ] البقرة:223، وقوله: [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ] آل عمران: 133.
ولقوله"فيما رواه مسلم: =احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز... + الحديث."
وقوله في الحديث الذي رواه البخاري: =صلوا قبل المغرب+ قال في الثالثة: =لمن شاء+، إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة في هذا المعنى.
وهو مسير باعتبار أنه في جميع أفعاله داخل القدر، راجع إليه؛ لكونه لا يخرج عما قدَّره الله له؛ فلا يخرج في تخيير عن قدرة الله؛ لقوله _تعالى_: [هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ] يونس: 22، وقوله: [وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] القصص: 68.
ولقوله": =كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة+."
إلى غير ذلك من الأدلة بهذا المعنى.