يسوغ الاحتجاج بالقدر عند المصائب التي تحل بالإنسان كالفقر، والمرض، وفقد القريب، وتلف الزرع، وخسارة المال، وقتل الخطأ، ونحو ذلك؛ فهذا من تمام الرضا بالله ربًَّا، فالاحتجاج إنما يكون على المصائب، لا المعائب، فالسعيد يستغفر من المعائب، ويصبر على المصائب، كما قال _تعالى_: [فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ] غافر: 55.
والشقي يجزع عند المصائب، ويحتج بالقدر على المعائب.
ويوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلًا قتل آخر عن طريق الخطأ، ثم لامه من لامه، واحتج القاتل بالقدر، لكان احتاجه مقبولًا، ولا يمنع ذلك من أن يؤاخذ.
ولو قتل رجلٌ رجلًا عن طريق العمد ثم قُرِّع القاتل ووُبِّخ على ذلك، ثم احتج بالقدر، لم يكن الاحتجاج منه مقبولًا.
هذا السؤال يرد كثيرًا، وهناك ما يجيب على هذا السؤال بأن الإنسان مسير لا مخير، كما أن هناك من يجيب بأنه مخير لا مُسَيَّر.
والحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال بهذا الإطلاق خطأ؛ ذلك أن الإجابة تحتاج إلى بعض التفصيل.
ووجه الخطأ في الإجابة: = بأن الإنسان مسير لا مخير+ تكمن فيما يَرِدُ على هذه الإجابة من إشكال؛ فإذا قيل: إنه مسير بإطلاق قيل: كيف يحاسب وهو مسير؟ وكيف يكون مسيرًا ونحن نرى أن له مشيئةً وقدرةً واختيارًا؟ وما العمل بالنصوص التي تثبت له المشيئة، والقدرة، والاختيار؟
أما إذا أجيب بأنه =مخير لا مسير+ فيقال: كيف يكون مُخَيَّرًا ونحن نرى أنه قد ولد بغير اختياره؟ ويمرض بغير اختياره؟ ويموت بغير اختياره؟ إلى غير ذلك من الأمور الخارجة عن إرادته.
فإذا قيل: إنه =مخير في أفعاله التي تقع بإرادته واختياره+ قيل: وأفعاله الختيارية كذلك؛ فقد يريد أمرًا، ويعزم على فعله، وهو قادر على ذلك فيفعله، وقد لا يفعله؛ فقد يعوقه ما يعوقه؛ إذًا فليس كل ما أراد فِعْلَه فَعَلَهُ؛ وهذا شيء مشاهد.