وبالجملة فعلى الإنسان أن يؤمن بمراتب القدر الأربع السابقة؛ وأنه لا يقع شيء إلا وقد علمه الله، وكتبه، وشاءه، وخلقه، ويؤمن _أيضًا_ بأن الله أمر بطاعته، ونهى عن معصيته، فيفعل الطاعة، ويترك المعصية، فإذا وفقه الله لفعل الطاعة وترك المعصية فليحمدِ الله، وليستمر على ذلك، وإن خُذِل ووُكل إلى نفسه فَفَعل المعصية، وترك الطاعة فعليه أن يستغفر ويتوب.
ثم إن على العبد _أيضًا_ أن يسعى في مصالحه الدنيوية، ويسلك الطرق الصحيحة الموصلة إليها، فيضرب في الأرض، ويمشي في مناكبها، فإن أتت الأمور على ما يريد حمد الله، وإن أتت على خلاف ما يريد تعزى بقدر الله، وعلم أن ذلك كله واقع بقدر الله _عز وجل_ وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
وإذا علم العبد من حيث الجملة أن لله فيما خلق وما أمر به حكمة عظيمة كفاه هذا، ثم كلما ازداد علمًا وإيمانًا ظهر له من حكمة الله ورحمته ما يبهر عقله، ويبين له تصديق ما أخبر الله به في كتابه.
ولا يلزم كل أحد أن يعلم تفاصيل الحديث عن الإيمان بالقدر، بل يكفي هذا الإيمان المجمل.
وهو _ولله الحمد_ مقتضى الأدلة الشرعية، والفطرية، والعقلية، والحسية، لا تناقض فيه، ولا لبس.
الإيمان بالقدر _ على ما مرَّ _ لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية، وأن يكون له قدرة عليها، فقد دل على ذلك الشرع والواقع.
أما الشرع: فالأدلة على ذلك كثيرة جدًا ومنها قوله _تعالى_: [فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا] النبأ: 39، وقوله: [فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ] البقرة: 223.
أما الواقع: فكل إنسان يعلم أن له مشيئةً، وقدرة يفعل بها ويترك، ويفرق بين ما يقع بإرادته، كالمشي، وما يقع بغير إرادته كالارتعاش.