3_ إذا سمعت من صاحبك كلامًا، أو رأيت منه رأيًا يعجبك_ فلا يعجبك أن تنتحله تزينًا به عند الناس، واكتفِ من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته، وتنسبه إلى صاحبه.
واعلم أن انتحالك ذلك مسخطة لصاحبك، وأن فيه مع ذلك عارًا وسخفا ً.
فإن بلغ بك ذلك أن تشير برأي الرجل، وتتكلم بكلامه وهو يسمع جمعت مع الظلم قلة الحياء.
وهذا من سوء الأدب الفاشي في الناس.
ومن تمام حسن الخلق والأدب في هذا الباب أن تسخو نفسُك لأخيك بما انتحل من كلامك ورأيك، وتنسب إليه رأيه وكلامه، وتزينه مع ذلك ما استطعت .
ص 132
4_ لا يكوننَّ من خلقك أن تبتدئ حديثًا ثم تقطعه وتقول: =سوف+ كأنك روَّأت (1) فيه بعد ابتدائك إياه.
وليكن تروِّيك فيه قبل التفوُّه به؛ فإن احتجان الحديث بعد افتتاحه سخف وغم. ص 132
5_ اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع؛ فإنه ليس في كل حين يحسن كل صواب، وإنما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة الموضع. ص 132
6_ ليعرف العلماء حين تجالسهم أنك على أن تسمع أحرص منك على أن تقول. ص 132
7_ لا تخلطن بالجد هزلًا، ولا بالهزل جدًا؛ فإنك إن خلطت بالجد هزلًا هجَّنته، وإن خلطت بالهزل جدًا كدَّرته.
غيرَ أني قد علمت موطنًا واحدًا إن قدرت أن تستقبل فيه الجد بالهزل أصبت الرأي، وظهرت على الأقران.
وذلك أن يتورَّدك متورد (2) بالسفه والغضب وسوء اللفظ تجيبه إجابة الهازل المداعب برحب من الذُّرع، وطلاقة من الوجه، وثبات من المنطق. ص 133
8_ إذا رأيت صاحبك مع عدوِّك فلا يغضبنك ذلك؛ فإنما هو أحد رجلين:
إن كان رجلًا من إخوان الثقة فأنفع مواطنه لك أقربها من عدوك لشر يكفه عنك، أو لعورة يسترها منك، أو غائبه يطَّلع عليها لك، فأما صديقك فما أغناك أن يحضره ذو ثقتك.
وإن كان رجلًا من غير خاصة إخوانك فبأي حق تقطعه عن الناس، وتكلفه ألا يصاحب ولا يجالس إلا من تهوى. ص 133
(1) _ أي أطلت النظر وتمهلت الجواب .
(2) _ يتوردك متورد: يحملك على أن تغتاظ .