الصفحة 291 من 442

وإذا قويت بنيران الشهوات ضعفت الأنوار، فيظلم الهوى على اليقين، فيتولد الشك على القلب من هذه الآفات، فتغلب على القلب هذه الآفات. ص58

15_ أفلا ترى كيف تعالج القوس، وتحمى حتى تلين، فإذا لانت سويت، حتى يرجع البيت الأعلى إلى مكانه، وإنما زال عن مكانه؛ لأن البيت الأسفل لما قوي وصلب مُدَّ بالبيت الأعلى بفضل قوَّته، فكذلك النفس لما قويت وصلبت شهواتها، انتشرت وهاج هواها، فأحرقت أنوار القلب، والقلب هو رطب بالأنوار؛ لأن النور هو من الله _ تعالى _ رحمة، والرحمة باردة، والقلب ليِّن منقاد برطوبة تلك الأنوار.

فإذا احترق النور، صلب القلب، وقسا، ويبس، فخفَّ عن ذكر الله، ولها عنه. ص59، 60

16_ قال له قائل: فما بالنا نسمع هذا العلم فنفهمه، ونعقله، ولا يبقى على القلب منه شيء؟.

قال: لأن نيران الشهوات في الخوف قد التهبت، فهي نيران سود، مظلمة بالهوى، وهي مؤدية إلى نار الله الكبرى، فإذا التهبت ارتفع إلى القلب، وأحرق تلك الأنوار، فخلا القلب من الموعظة والعلم الذي عليه، وهي شبيهة بالنار التي تلهب حمرتها، فتحتاج إلى ماء كثير حتى تطفئه، كما ألقيت عليه قبضة من شيء، أو رششت عليه قليلَ ماءٍ، انطفأ قليلًا ثم التهب؛ فكذلك صاحب الشهوة، إذا سمع الموعظة ذَبُل قلبه، وتخسفت نفسه؛ لما يصل عليه من الخوف؛ لأن الوعيد مما تنكسر به النفس، وتخمد شهواتها.

ألا ترى أن الرجل يكون في لذَّة من لذَّات الدنيا ونشاط، فإذا بلغه وعيد من السلطان انكسر وذهب نشاطه؛ فوعيد الله _ تعالى _ لو خلص إلى القلب، لكانت النفس والشهوات أشدَّ انكسارًا، ولكن لا يصل ذلك إلى القلب، فهو صلب أبدًا، فرح مرح، أشرٌ بطرٌ، فهو ينور بلهب.

فإنما يطفأ بالماء الكثير الغالب وهو العلم المؤدي إلى الخوف والوعيد، وليس يوجد هذا، فما الحيلة في ذلك؟

قال: إنا لا نعلم له حيلة، إلا أن يمنع من إلقاء الحطب عليه؛ فإنه متى زاده وقودًا اتقد، وثار والتهب، وقوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت