قيل له: وما طهارته؟ قال: ترك ما اضطرب القلب عليه ورابك منه؛ تورُّعًا دق أو جل، ثم تطهره من التعلق بالشهوات والاشتغال بها، فإذا أنت فعلت ذلك صقلت قلبك فصار لك مرآة بالتورع، فكلما تفكرت شيئًا من أمر الآخرة، تمثَّل ذلك في مرآتك، حتى تصير الآخرة لك معاينة. ص35، 36
12_ ألا ترى أن البازي كيف كان نفاره من الآدميين في الجبال الشامخات، فلما رُبَّ وأُمْسِكَ على التربية أنس بصاحبه، وأخذت التربية بقلبه، واعتاد السكون معه؛ فنزع عن النفار، وترك همَّ الطيران، واطمأن إلى صاحبه، حتى إذا أرسله وحثَّه على الطيران طار، فأصاد وأمسك عليه صيده؛ تحرِّيًا لموافقته مولاه، ثم إن دعاه من الطيران رجع، وآثر هواه على هوى موافقة نفسه، فأجابه منقضًَّا إلى حبله وسباقه.
أفلا يحق على مؤمن أبصر هذا أن يموت كمدًا وعبرة، وأسفًا على فوت هذا من نفسه أن يكون طيره أسمع له وأطوع، وأشدَّ تحرِّيًا لموافقته، وألزم لنصيحته من العبد المؤمن لربه؟ ص37، 38
13_ فكذلك يصير العبد إذا راض نفسه بترك الشهوات، وقطع الأسباب، وانقطع عن اللذات، ومجاهدة الهوى، وامتناعه عما يريد حتى تذلَّ، وتنقمع؛ فحينئذ ينقاد القلب والعقل، وتستقيم في سيرها على حدِّ ما أمر به، ولا تهاب أحدًا في أموره، ولا تخاف فيه لومة لائم. ص41
14_ فإذا غفلت عن النفس بعد رياضتها فلا تأمن أن تعود إلى بعض عاداتها ما دامت الشهوات منها حية، والهوى قائمًا، ألا ترى أن القوس إذا تُرك استعمالها وتعاهدها وعتقت (1) ، وكيف يأخذ البيت الأسفل من البيت الأعلى؟ فكلما رميت بها سهمًا أخطأ الغرض؛ كذلك النفس إذا تركتها حتى تقوى شهواتها، ويشتد حرُّها في الجوف، وتقوى ظلمة الهوى أخذت من البيت الأعلى، وهو نور العقل، ونور المعرفة، ونور الروح، ونور العلم، فتحرق بنيران الشهوات من هذه الأنوار التي في القلب بقدر قوتها.
(1) _ عتقت من العتيق، وهو القديم من كل شيء.