وأهل اليقين الذين قد استنار الإيمان في قلوبهم فسكنت القلوب، واطمأنت النفوس إلى ضمان ربها، وقربه منهم، وقدرته عليهم. ص17
8_ وإنما تقع حلاوة صنع الصانع في قلبك على قدر حبك للصانع، وإنما تحب الصانع على قدر معرفتك بقدره، وكلما كنت به أعلم، وكان هو أرفع منزلة في الأشياء كان قدره عندك أعظم؛ فهو إليك أحب. ص26
9_ قال له القائل: وما رياضة النفس؟ وكيف يكون ذلك؟ قال: يسير على من يسره الله ووفقه؛ فأما الرياضة فهي مشتقة عربيَّتها من الرضِّ، وهو الكسر، وذلك أن النفس اعتادت اللذة والشهوة، وأن تعمل بهواها؛ فهي متحيِّرة، قائمة على قلبك بالإِمْرة، وهي الإمرة بالشهوة، فيحتاج إلى أن يفطمها، فإذا فطمها عن العادة انفطمت. ص34
10_ ويقال في اللغة: راض، ورضَّ، بمعنى واحد، فمن قال: رضَّ، فلما أدغم الألف في الضاد شدَّد، ومن أبرز الألف خفَّف الضاد، فقال راض، فالرَّض الكسر، فقيل في الأشياء المكسورة: رضَّ، وقيل في الأخلاق المكسورة: راض؛ فهذه النفس إذا فطمتها انكسرت عن الإلحاح عليك، ومنازعتك في الأمور؛ فإن النفس اعتادت اللذة والشهوة، وأن تعمل بالهوى، فإذا فطمتها عن العادة انفطمت، ألا ترى أن الصبي إنما اعتاد ثدي أمه،كيف سكوته بذلك الثدي، إنما يحنُّ إليه إذا فقده، وكيف يفرح به إذا وجده. فكذلك النفس الشهوانية، فإذا فطم الصبي انفطم؛ حتى لا يلتفت إلى الثدي بعد ذلك؛ لأنه وجد طعم ألوان الأطعمة، فلا يحن إلى اللبن، كذلك النفس إذا وجدت طيب اليقين، وروح قرب الله _ تعالى _ وحلاوة اختيار الله _ عز وجل _ وجميل نظره لها، لم تَحِنَّ إلى تلك الشهوات. ص34، 35
11_ قيل له: فبماذا يوجد اليقين؟ قال: بطهارة القلب؛ لأن اليقين طاهر؛ فيطهر مكانه ومستقره.